شؤون ثقافية

عن ” الكيتش Kitsch ” في الحياة..والأدب..والفن

عن ” الكيتش Kitsch ” في الحياة..والأدب..والفن
بُرهـان شـاوي
الكيتش كلمة ألمانية ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في مجال الفن بميونخ، وانتشرت في الثقافة الأوربية والعالمية حتى صارت تنطق باللفظ نفسه في معظم اللغات العالمية، لكنها حتى في اللغة الألمانية نفسها لم يتفق بالدقة حول مضمونها، مع أن كل المعاني هي متقاربة ولا تختلف كثيرًا.
 
جذر الكلمة ” كيتش Kitsch ” كما تؤكد القواميس اللغوية والدراسات مشتق من كلمة تعني بالألمانية ” النفاية أو القمامة، وبلغتنا الشائعة : الزبالة “، لكن في الفن بجميع أشكاله تعني: الفن الهابط، فن بلاذوق، رخيص، مبتذل، سطحي، تقليد، مزيف، منحط.. وعادة تستخدم الكلمة للتعبير عن الإزدراء والتحقير للفن والأدب الذي هو في الجوهر إعادة ردئية وسيئة لأصل إبداعي.
 
وعلى الرغم من طغيان هذا المفهوم للكيتش باعتباره فن وأدب بلا قيمة إبداعية ومن دون أصالة فنية وأدبية وجمالية، فن وأدب مبتذل ورخيص، إلا إنه حظي بدراسات لا بأس بها من قبل علماء الاجتماع والنفس والسياسة.
 
فهناك من يرى أنه ذلك الفن ” الجماهيري” الذي يميل لاستدرار عواطف الجمهور المتلقي، مثل تقديم لوحات عاطفية عن طفلة تحمل جرو وثمة دمعة تنحدر من عينيها، أو مثل النهايات العاطفية الرخيصة في غالبية أفلام هوليوود وبوليوود، أو الطقوس الدينية والفنية والرياضية والسياسية التي تسبب هيجانًا عاطفيا لأتباعها.
 
كما أن فن وأدب الكيتش هو ذلك الذي يفهم مباشرة دونما إشغال الفكر أو إيقاظ الحواس، ودونما تفكير. ذلك الفن الجماهيري الهابط، والذي نجد أمثلة له في الأغاني الشائعة والمنتشرة والتي تهز الأجساد للرقص عليها، والتي يتقبلها الناس ويرددونها دونما تفكير في معانيها الرخيصة والمبتذلة.
 
كما أنه ذلك الأدب الذي لا يدفعنا للتفكير وطرح الأسئلة ولا يسمح لنا حتى بمساحة قليلة من تداعي الأفكار والمشاعر، بل يدفعنا إلى الخمول الذهني والعقلي.
 
ومع كل هذه المواصفات الرخيصة والمبتذلة لفن وأدب الكيتش فهو عادة الأوسع انتشارا في العالم كله. إنه الفن والأدب الجماهيري، لأن له جاذبية التقبل السهل دونما تشغيل للفكر أو الحواس، فهو يدغدغ المشاعر السطحية والعواطف السهلة.
 
المنظرون يرون أن ” الكيتش” لا يعتمد في انتشاره على أية قيمة فنية أو أدبية، ولا على ثوابت الفن، وأنما على الحالة الاجتماعية والسياسية والمزاج الاجتماعي والجماهيري. فتأثيره وفعاليته في الخمول الذهني والجمود الفكري يجعل علاقته بالمتلقي علاقة مستقبل ومستهلك، وليس علاقة فكرية أو تقبل فني أو جمالي..
 
لكن القضية أبعد بكثير من كونه فنًا رخيصًا ومبتذلًا وزبالة فنية وأدبية، وأنما “الكيتش” ينسحب على السلوك الاجتماعي والواقع السياسي. حيث يكون ” الكيتش” غاية ووسيلة للسياسيين لجعل حياة الناس رخيصة وتافهة ومبتذلة، وأغراقهم بكل النسخ المشوهة سواء في الفن أو الأدب أو الدين أو الشعائر الدينية أو مظاهر الطقوس، وحتى النقاشات السياسية في برامج الفضائيات بكل ما فيها من تفاهات ورخص وانحطاط سواء في أشخاص المحاورين أو المقدمين، وكذا في التسلية الفنية، حيث يتم تقبل الوقاحة باعتبارها صراحة، وقلة الذوق وسوء الأدب وتفاهة التقديم والحركات باعتبارها فهلوة وإبداعا اعلاميا.
 
وفي قراءة سياسية لمفهوم ” الكيتش” هناك من يرى بأن ألآيديولوجيات هي المولدة لمفهوم “الكيتش” في السياسة والفكر والدعاية والفن الجماهيري والثقافة الشعبية. فهي تبحث وتروج وتنتج فنًا وأدبًا مليئًا بالشعارات وصور القادة والبوسترات الرخيصة المليئة بالشعارات الرخيصة وصور القادة والزعماء، وتروج للشعر الهابط فنيا وجماليا وتوفر له المنصات للانتشار والترويج.
وتؤسس لطقوس دينية وسياسية تهيمن فيها بشكل قوي على الناس والجماهير وتجعلهم عاجزين على التفكير بمعنى الطقوس والاحتفالات التي يشاركون فيها، بل تظل حياتهم تدور في فلك تلك الطقوس وما يترتب عليها من عادات وسلوكيات اجتماعية تصير تحصيل حاصل دونما مراجعة وتفكير في دلالتها.
 
ولو ذهبنا أبعد وأعمق في عالم الثقافة والفكر والطروحات النظرية والأكاديمية لوجدنا أنها لا تخلو من كونها ” كيتشا” فكريا وأكاديميًا، فهي، (ومن دون تعميم وإطلاق)، في الأغلب استنساخ مبتذل وسيء ومبتسر ورخيص لما يدور في الأصل الأوربي والأجنبي.
 
ولو تأملنا أدبنا وفننا وثقافتنا وسلوكنا الاجتماعي لوجدنا أن حياتنا ليست سوى ” كيتش” ، بل من أسوء أشكال ” الكيتش” الاجتماعي وأشدها رخصا وزيفا وتفاهة.
 
وهذا الأمر لا يمس حياتنا فقط وأنما هو موجود حتى في المجتمعات المتحضرة حيث مظاهر الكيتش موجودة في السلوك الاجتماعي، بل صارت ضمن العادات والتقليد الأسري والشخصي.
 
بل إن الكثير من مظاهر الكيتش صارت جزء من حياتنا مثل بوستر جيفارا ونجمته الحمراء التي يمكن أن يحملها شاب أو شابة من دون أن يعرفا من هو جيفارا سوى اسمه أو وسامته الظاهرة.
 
بل إن التجلي الأكبر لانتشار ” الكيتش” وثقافة ” الكيتش” في حياتنا هو عالم الفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث إن الناس تبتعد عن المنشورات الجادة وتلهث وراء الصور الخادعة والشعر التافه المباشر والساذج، وتروج للتفاهات والابتذال الفكري، بل تسطّح أية قضية جادة وأي سؤال فكري لتحوله إلى مهزلة صبيان ومراهقين..!، وتروج للخرافات الدينية باسم العلم، وللتعصب الديني ونشر الأكاذيب باسم الإيمان.
 
ولو تأملنا، عراقيًا وعربيًا، نتاجاتنا الفنية من أغاني وأفلام ومسرحيات وروايات وأشعار وإعلام وبرامج وفضائيات وكتابات صحافية فنية ونقدية، وممارسات سياسية، ومؤتمرات وأحزاب منتظمة، لوجدنا أن 90 % ، (وهذا يعني مئات الملايين من البشر في مجتمعاتنا)، يمارسون حياة تافهة ورخيصة ومزيفة..حياة هي في معظم تمظهراتها ليست سوى ” كيتش” رخيص ومبتذل.
 
هناك بعض الباحثين في السياسة والاجتماع يرون أن النظريات السياسية الكبرى تحولت غلى شعارات ،إلى كيتش، فشعار العدالة الاجتماعية وعالم عادل، صار اسنساخا ردئيا وثرثرة وشعارا فارغا، من دون التوقف الفكري والنقدي عند هذه الشعارات وعلاقتها بالواقع واسئلته المحرجة، وإمكانية تطبيق هذه الشعارات التي يتم ترديدها بلا تفكير..!.
 
بل، ويالسخرية القدر كما يلفظها يوسف وهبي، حتى أحلامنا بالتغيير صارت مزيفة ومبتذلة، بل حتى انقلاباتنا وثوراتنا صارت كيتش مأساوي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق