لم يترك لي والدي رحمه الله المال وحده، بل ترك لي ما هو أثمن وأبقى … ترك لي أرضاً مزروعةً بأشجار الزيتون، وترك في روحي إرثاً من القيم والمواقف والصفات النبيلة.
ترك لي أرضاً أحبها، تنبض بالحياة، وتروي حكاية رجلٍ عرف معنى التعب والعطاء، وغرس بيديه أشجاراً ما زالت شاهدةً على وجوده.
وكلما نظرت إلى أشجار الزيتون، أشعر أن شيئاً منه ما زال حاضراً بيني وبين هذه الأرض.علّمني القوة دون قسوة، وعلّمني الصبر حين تضيق الحياة، وعلّمني أن يكون الإنسان ثابتاً أمام الشدائد، عزيز النفس، لا ينحني إلا لله.
علّمني الأناقة في الأخلاق قبل المظهر، والرقي في التعامل، واحترام الكبير والصغير، وأن الكلمة الطيبة والموقف النبيل قد يتركان أثراً لا يمحوه الزمن.
وكان في حنانه أباً لا يُنسى، وفي وفائه رجلاً لا يتغير، وفي رجولته هيبةٌ واحترام، وفي شهامته قلباً كبيراً لا يتردد في الوقوف إلى جانب من يحتاجه.
ومن أبي تعلّمت أن الرجولة ليست بالشوارب الطويلة، ولا بالمظهر وحده، بل بالموقف، والوفاء، وتحمل المسؤولية، ونصرة المظلوم، وحفظ العهد.
رحل والدي عن هذه الدنيا، لكن أجمل ما فيه بقي حياً في داخلي… بقيت كلماته، ومواقفه، وحنانه، وهيبته، وطيبته، وبقيت أشجار الزيتون التي زرعها شاهدةً على رجلٍ ترك وراءه ما هو أبعد من المال … ترك جذوراً تمتد في الأرض، وقِيَماً تمتد في الأبناء.رحمك الله يا أبي …تركت لي أرضاً أعتز بها، وأشجاراً أحبها، واسماً أفتخر به، وقِيَماً أعيش بها، وذكريات لا تموت.كنتَ أبي … وستبقى قدوتي ما حييت.
خالد حسو




