اقتصاد

أزمة سيولة تُخفي فشلاً حكومياً.. مصرف سوريا المركزي يعجز عن صرف مستحقات الفلاحين

مشاركة

سيماف خليل – xeber24.net

في خطوة تعكس عمق الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الانتقالية السورية، أصدر المصرف الزراعي التعاوني تعميماً جديداً يقضي بصرف 25% فقط من مستحقات الفلاحين عن محصول القمح للموسم الحالي 2025-2026، وذلك عبر تطبيق “شام كاش” الإلكتروني، فيما تبقى النسبة الأكبر (75%) رهن آليات صرف غير واضحة، وسط اعتراف صريح من المصرف بعدم توفر السيولة النقدية الكافية لدى مصرف سوريا المركزي للوفاء بالالتزامات المالية تجاه الفلاحين .

وجاء في التعميم أن النسبة المقرر تحويلها (25%) ستُقتطع منها المديونية المستحقة للفلاحين لدى المصرف أولاً، على أن تُصرف باقي المستحقات وفق التعليمات المعتمدة، في إجراء يراه مراقبون محاولة لإرضاء الفلاحين بشكل جزئي، بينما تُترك حصة الأسد (75%) معلقة في عناوين فضفاضة، ما ينم عن غياب رؤية واضحة لمعالجة أزمة السيولة التي تعصف بالاقتصاد الوطني .

وتصاعدت موجة من الاستياء بين أوساط الفلاحين، الذين اعتبروا القرار “غير منصف” ولا يعكس حجم التضحيات التي قدموها خلال موسم حصاد شهد ارتفاعاً قياسياً في تكاليف الإنتاج، من محروقات وبذار وأسمدة ومستلزمات ري، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمحاصيل جراء الفيضانات التي ضربت مناطق واسعة في ريف دير الزور والرقة في ذروة موسم الحصاد .

وأكد فلاحون أن تأخير صرف المستحقات يهدد استمراريتهم في الموسم القادم، خاصة في ظل غياب آليات حماية اجتماعية للمنتجين، وعدم وجود ربط واضح بين سعر شراء القمح والتكاليف الفعلية للإنتاج، والتي باتت تتجاوز في بعض الحالات مليوني ليرة سورية للدونم الواحد .

كما تتركز المعاناة بشكل خاص لدى الفلاحين كبار السن، الذين يفتقرون إلى الخبرة الكافية في التعامل مع التطبيقات الإلكترونية كـ”شام كاش”، مما يجعل صرف مستحقاتهم عبر هذه الوسيلة تحدياً إضافياً في ظل بيئة رقمية غير مهيأة بالكامل .

ويأتي هذا القرار في وقت تواجه فيه الأسواق السورية، وخاصة في المحافظات الشرقية، شحاً حاداً في توفّر العملة الجديدة، في مشهد يعكس فشل السياسة النقدية للسلطة في إدارة مرحلة استبدال العملة، وتأمين السيولة اللازمة للسوق .

والمفارقة أن مصرف سوريا المركزي كان قد أصدر سلسلة قرارات تتعلق باستبدال العملة القديمة، انتهت مهلة استبدالها في 30 تموز 2026، مما ضيّق الخيارات أمام الفلاحين وجعلهم عالقين بين عملة لم تعد مقبولة، وعملة جديدة نادرة، ومنصة رقمية لا تغطي احتياجاتهم اليومية .

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا القرار يعكس “عجزاً حقيقياً” لدى السلطة الانتقالية في إدارة المالية العامة، وتوفير متطلبات المرحلة الانتقالية، خاصة في قطاع الزراعة الذي يشكل ركيزة الأمن الغذائي في البلاد، ويتجاهل حقيقة أن سياسات رفع الدعم عن المحروقات والطاقة، وعدم حماية الإنتاج المحلي، قد زادت من أعباء الفلاحين دون توفير بدائل عملية .

وتأتي هذه التطورات في وقت حساس، إذ تشير تقديرات أممية إلى أن نحو 14.6 مليون شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، أي أكثر من نصف السكان، مما يجعل استمرارية الإنتاج الزراعي مسألة حياة أو موت للكثيرين .

وفي غياب حلول جذرية لأزمة السيولة، وتوفير دعم حقيقي للفلاحين، وربط سعر شراء المحاصيل بتكاليف الإنتاج الفعلية، يبدو أن الحكومة الانتقالية تواصل سياساتها التي تعمق الفقر وتقوض الأمن الغذائي، بدلاً من تأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على حماية المنتجين والمستهلكين على حد سواء .

فهل ستكتفي السلطة بإجراءات ترقيعية تدفع الفلاحين نحو المجهول، أم أنها ستعيد النظر في سياساتها الاقتصادية، وتستمع لمطالب المنتجين، وتعمل على تأمين سيولة نقدية حقيقية تنقذ الموسم الزراعي المقبل، وتمنع انهيار القطاع الأكثر حساسية للاستقرار الاجتماعي في البلاد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى