بقلم: خالد حسو
تُثبت التجارب التاريخية، قديمها وحديثها، أن الشعوب والقوى السياسية التي تفتقر إلى وحدة الرؤية والموقف والقرار والصف سرعان ما تفقد جزءًا كبيرًا من قوتها وتأثيرها، وتتحول من طرف فاعل في صناعة الأحداث إلى طرف ينتظر ما تقرره القوى الأخرى.
وفي الصراعات الاجتماعية والقومية والوطنية الكبرى، لا تكفي التضحيات وحدها، ولا تكفي البطولات، ولا كثرة الأحزاب والتنظيمات، ما لم تتحول هذه الطاقات إلى مشروع سياسي واضح، وموقف موحّد، وقرار مستقل، ومرجعية قادرة على التعبير عن المصالح العليا للشعب.
فالقوة الحقيقية لأي شعب لا تُقاس فقط بعدد أبنائه أو حجم تضحياته، وإنما بقدرته على تنظيم قواه، وتوحيد أولوياته، وإدارة خلافاته، وتحويل تعدد الآراء إلى قوة سياسية بدل أن يتحول إلى انقسام واستنزاف.
والتاريخ لا يرحم الشعوب التي تكرر أخطاءها. فعندما تتقدم المصالح الحزبية والشخصية والتنظيمية على المصلحة القومية والوطنية، وعندما تتعدد مراكز القرار وتتناقض المواقف والخطابات، يصبح من السهل على الآخرين استغلال الانقسام، وفرض أجنداتهم، وتحديد مستقبل شعب بأكمله دون أن يكون لذلك الشعب حضور حقيقي في صناعة القرار.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا نحن الكورد بكل شجاعة ووضوح:
هل أدركنا فعلًا أن وحدة الصف ليست شعارًا، وأن توحيد الموقف ليس ترفًا سياسيًا، وأن بناء مرجعية سياسية جامعة ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة تاريخية لحماية قضيتنا وحقوقنا ومصالح شعبنا؟
وهل تعلمنا من تجاربنا وتجارب الشعوب الأخرى أن الاختلاف في الرأي يمكن أن يكون مصدر قوة، أما الانقسام في المواقف والقرارات المصيرية فهو مصدر ضعف؟
إن المطلوب ليس إلغاء التعددية، ولا إلغاء الأحزاب، ولا فرض رأي واحد على الجميع؛ بل المطلوب هو بناء توافق قومي وسياسي حول القضايا المصيرية، بحيث تستطيع القوى الكوردية، رغم اختلافاتها الفكرية والتنظيمية، أن تتحدث في القضايا الكبرى بصوت سياسي متماسك، وأن تدخل أي مفاوضات أو استحقاقات دستورية أو سياسية وهي تمتلك رؤية واضحة وأوراق قوة وقرارًا نابعًا من إرادة شعبها.
فإذا أردنا أن نكون شركاء حقيقيين في صناعة مستقبل سوريا، وأن نضمن حقوق شعبنا، وأن نشارك بفاعلية في كتابة الدستور وتحديد شكل الدولة ومستقبلها، فعلينا أولًا أن نمتلك وحدة في الرؤية، وتنسيقًا في المواقف، وشجاعة في اتخاذ القرار، وإرادة سياسية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.
لأن التاريخ لا يمنح الدور لمن يملك الحق فقط، وإنما لمن يمتلك أيضًا القدرة على تنظيم هذا الحق والدفاع عنه وتحويله إلى قوة سياسية ومشروع قابل للتحقيق.
ويبقى السؤال الأهم:
بعد كل ما مرّ به شعبنا الكوردي من تجارب وتضحيات وانقسامات وضياع للفرص، هل سنستمر في تكرار الأخطاء نفسها، أم سنمتلك أخيرًا الشجاعة لبناء وحدة سياسية حقيقية تجعل الكورد شركاء في صناعة القرار، لا مجرد متلقين لقرارات الآخرين؟
إن اللحظة تتطلب وعيًا يتجاوز الأشخاص والأحزاب، وإرادة تتقدم فيها المصلحة العليا للشعب على كل مصلحة أخرى.
فالشعوب لا تصنع مستقبلها بالتمنيات، ولا تحمي حقوقها بالتشتت؛ وإنما تصنعه بوحدة إرادتها، ووضوح مشروعها، وقوة موقفها، وقدرتها على تحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية وتاريخية.




