خبات شاكر
هناك رجال لا يمكن اختصار حياتهم في سطور، ولا يمكن قياس تضحياتهم بالكلمات. رجال حملوا قضية شعبهم لا بحثًا عن منصب أو مكسب، بل لأنهم آمنوا بأن الحرية ليست ترفًا، وأن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وأن العيش المشترك بين الشعوب ليس مجرد شعار، بل قيمة تستحق أن يُدفع من أجلها أغلى الأثمان.
ومن هؤلاء الرجال يبرز اسم الأخ والصديق والمناضل توفيق الختاري؛ ذلك الإنسان الذي اختار طريقًا طويلًا وشاقًا، ومضى فيه ثابت الخطى، مؤمنًا بمبادئه، رغم كل ما حمله ذلك الطريق من ألم وفقدان وغربة.
قضى توفيق سنوات طويلة في جبال كوردستان، شامخًا كشموخ جبالها، صلبًا في مواقفه، ثابتًا على مبادئه، مؤمنًا بأن النضال من أجل الحرية والإنسان لا يعرف طريقًا سهلًا. عاش سنوات من الصراع والمطاردة والمخاطر، وقدم من أجل مبادئه أغلى ما يمكن أن يقدمه الإنسان.

وكان الثمن فاجعة لا يمكن أن تُمحى من الذاكرة.
فقد أقدم نظام صدام حسين الفاشي، في واحدة من أبشع صفحات القمع والانتقام، على إبادة عائلته، ففقد زوجته وأطفاله، وما زال حتى اليوم لم يُعثر على مكان مقبرتهم الجماعية.
إنها ليست مأساة عائلة واحدة فحسب، بل جرح في ذاكرة شعب كامل. جرح يختصر سنوات طويلة حاولت فيها الأنظمة الدكتاتورية كسر إرادة الكورد من خلال القتل والتهجير ومحو العائلات والذاكرة.
لكنهم لم يستطيعوا أن يقتلوا الذاكرة.
ولم يستطيعوا أن يقتلوا الحلم.
فبعد سنوات الجبال جاءت الهجرة، ثم سورية، ثم أوروبا. تغيرت الجغرافيا، وتبدلت المدن، لكن الإنسان بقي هو الإنسان، والمبدأ بقي مبدأ.
صديق تعرفت إليه قبل أن أعرف حزبه
تعرفت إلى الأخ توفيق في أواخر تسعينيات القرن الماضي، وكان من أعز الجيران وأقرب الأصدقاء إلى القلب.

خلال سنوات الجيرة دارت بيننا حوارات ونقاشات كثيرة. اختلفنا أحيانًا في الرأي، وربما اختلفنا في بعض القضايا السياسية والحزبية، لكن اختلاف الرأي لم يكن يومًا سببًا للكراهية أو القطيعة، بل كان يزيدنا معرفة ببعضنا واحترامًا لبعضنا.
وهنا تكمن قيمة الإنسان الحقيقي.
فلم تكن مبادئنا الحزبية يومًا أساس علاقتنا، ولم نسمح للانتماءات السياسية أن تبني جدارًا بين عائلتين. كان الأساس هو المحبة والاحترام والجيرة الطيبة والإنسانية.
وهذه في نظري من أجمل صور النضال الحقيقي.
فالذي يناضل من أجل حرية شعبه يجب أن يعرف أيضًا كيف يحترم حرية الإنسان الذي يختلف معه.
والذي يتحدث عن التعايش بين الشعوب يجب أن يبدأ من بيته، ومن جيرانه، ومن أصدقائه.
عائلة واحدة رغم اختلاف المسافات

عاشت عائلتانا سنوات طويلة جنبًا إلى جنب. كبر أطفالنا معًا، وكانت أبواب بيوتنا مفتوحة لبعضها البعض، وكنا نشعر بأننا عائلة واحدة أكثر مما نشعر بأننا مجرد جيران.
لم أشعر يومًا بأن عائلة توفيق كانت غريبة عني، ولا شعر هو بأن عائلتي غريبة عنه.
بل إن أطفال توفيق كانوا، وما زالوا، في مكانة أولادي في قلبي، وأعرف أن توفيق يحمل الشعور نفسه تجاه أولادي.
وهذا النوع من العلاقات لا تصنعه السياسة، ولا تفرضه الأحزاب، ولا تستطيع المسافات أن تقتله.
إنه يُبنى بالسنوات، وبالمواقف، وبالأيام الصعبة قبل الأيام الجميلة.
بهار… أخت عزيزة وامتداد للمحبة
ولا يمكنني أن أتحدث عن علاقتي بك يا أخي توفيق دون أن أذكر أختي العزيزة بهار، أم زنوار، زوجتك الحالية، التي كانت ولا تزال أختًا عزيزة على قلبي، لها مني كل المودة والمحبة والاحترام.
كانت بهار، وما زالت، جزءًا جميلًا من هذه العلاقة الإنسانية التي جمعت عائلتينا. ولم تكن علاقتنا نحن فقط قائمة على المحبة والاحترام، بل إن علاقة زوجاتنا ببعضهما البعض لم تقل يومًا محبةً واحترامًا عن علاقتنا نحن.
وهذا ما جعل علاقتنا تتجاوز حدود الصداقة بين شخصين، لتصبح علاقة بين عائلتين، نشأت على المحبة الصادقة، وكبرت مع السنوات، وأصبحت جزءًا من حياتنا وذكرياتنا.
أتمنى من الله أن يديم هذه المحبة بيننا، وأن يحفظ توفيق وبهار وأطفالهما، ويحفظ عائلتينا جميعًا، وأن تبقى هذه المودة التي جمعتنا منذ سنوات طويلة حاضرة في قلوبنا مهما تغيرت المدن والأيام.
فبعض العلاقات لا يصنعها الدم، بل تصنعها الأيام والمواقف والمحبة الصادقة.
وعلاقتنا واحدة من تلك العلاقات التي أعتز بها ما حييت.
ثماني سنوات لم تقطعها المسافة
بعد ذلك انتقلتُ إلى جوار مدينة أولدنبورغ، ومضت نحو ثماني سنوات، لكن المسافة لم تستطع أن تقطع ما بنته سنوات طويلة من المحبة والاحترام.
بقيت العلاقة، وبقي السؤال عن بعضنا، وبقيت المودة كما هي، بل أشعر أنها ازدادت رسوخًا مع مرور الزمن.
وهذا دليل على أن الصداقة الحقيقية لا تحتاج إلى أن يعيش الأصدقاء في الشارع نفسه، ولا في المدينة نفسها، حتى تبقى حاضرة.
فحين تكون العلاقة مبنية على الصدق، تصبح المسافة مجرد أرقام على الخريطة.
توفيق الختاري… قضية إنسان قبل أن يكون مناضلًا
عندما نتحدث عن المناضلين، علينا ألا ننظر فقط إلى الشعارات التي رفعوها أو الأحزاب التي انتموا إليها، بل علينا أن ننظر إلى ما دفعوه من أعمارهم وحياتهم وعائلاتهم.
توفيق الختاري ليس بالنسبة لي مجرد اسم من أسماء المناضلين الباشوريين الذين عرفتهم في ألمانيا، رغم أنني التقيت وتعرفت إلى عدد كبير من إخوتنا الباشوريين، وكان لي شرف التعرف إلى أشخاص طيبين ومخلصين في المهجر.
لكن لتوفيق مكانة مختلفة.
إنها مكانة صديق عاشرتُه، وجار شاركتُه سنوات من الحياة، وإنسان رأيت فيه معنى الوفاء والثبات والصبر.
لقد حمل جراحه بصمت، ومضى في حياته رغم فقدان أعز الناس إليه.
وربما لا توجد كلمات تستطيع أن تعوض أبًا عن زوجته وأطفاله، ولا توجد جملة تستطيع أن ترد إلى قلبه ما أخذته سنوات القمع والحروب.
لكن هناك شيئًا واحدًا يمكن للإنسان أن يقدمه لصديقه: ألا يسمح للنسيان أن ينتصر.
إلى أخي توفيق…
أخي توفيق،
أتمنى من أعماق قلبي أن يأتي يوم تلتقي فيه برفات أطفالك الشهداء، وأن تتمكن من دفنهم بيديك، بعد سنوات طويلة من الانتظار والبحث والوجع.
أتمنى أن يأتي ذلك اليوم الذي تقف فيه أمام قبورهم، وتقرأ على أرواحهم دعاء المحبة والرحمة، وأن تزور قبورهم في الأعياد والمناسبات، كما يفعل كل أب يريد أن يضع وردة على قبر ابنه، أو يقرأ له الفاتحة، أو يقول له بصوت مرتجف:
لم أنسك.
أتمنى أن يأتي يوم تجد فيه عائلتك السلام الذي حُرمت منه، وأن تتحول سنوات الانتظار إلى لحظة لقاء، مهما كانت قاسية، لأن معرفة الحقيقة أرحم من العيش الدائم في المجهول.
النضال الحقيقي لا يُقاس بالضجيج
في زمن أصبحت فيه السياسة أحيانًا مجالًا للصراخ والتخوين والمزايدات، نحتاج إلى أن نتذكر أن هناك مناضلين دفعوا الثمن الحقيقي.
هناك من فقدوا أبناءهم.
هناك من فقدوا زوجاتهم.
هناك من عاشوا سنوات في الجبال والمنافي.
وهناك من حملوا جراحهم بصمت، ولم يحولوا مآسيهم إلى تجارة سياسية.
لهذا فإن احترام هؤلاء ليس مجاملة، بل واجب أخلاقي.
وتوفيق الختاري بالنسبة لي واحد من أولئك الذين تستحق تجربتهم أن تُروى، لا لأن حياته خالية من الألم، بل لأن الألم نفسه أصبح شاهدًا على مرحلة كاملة من تاريخ شعبنا.
لقد تغيرت الأنظمة، وتغيرت المدن، وتبدلت الأزمنة، لكن ذاكرة الضحايا بقيت.
والحرية التي ناضل من أجلها توفيق وأمثاله لا ينبغي أن تكون حرية شعب ضد شعب، ولا قومية ضد قومية، بل حرية تحفظ كرامة الإنسان، وتصون حقوق الشعوب، وتفتح الطريق أمام العيش المشترك والسلام.
وهنا تكمن عظمة النضال الحقيقي: أن تحب شعبك دون أن تكره الشعوب الأخرى، وأن تدافع عن حقوقك دون أن تنكر حقوق الآخرين، وأن تختلف سياسيًا مع صديقك دون أن تفقد احترامك له.
ستبقى أخًا ما دمت أتنفس
توفيق الختاري…
بعد كل هذه السنوات، أقول لك كلمة واحدة من القلب:
كنتَ جارًا عزيزًا، فأصبحتَ أخًا.
وكنتَ صديقًا، فأصبحتَ جزءًا من ذاكرتي.
وكانت عائلتك جارتنا، فأصبحت عائلتك عائلتنا.
لن أنسى جيرتكم.
لن أنسى الأيام التي جمعتنا.
لن أنسى أبواب بيوتنا التي كانت مفتوحة لبعضها.
لن أنسى أطفالكم الذين كبروا أمام أعيننا.
ولن أنسى أختي العزيزة بهار، وما بين عائلتينا من محبة واحترام.
ومهما ابتعدت بنا المدن والسنوات، ستبقى مكانتك في قلبي كما كانت يوم عرفتك أول مرة.
أخي توفيق، ستبقى صديقًا وأخًا عزيزًا لي ما دمت أتنفس، ولن أنسى جيرتكم ومحبتكم يومًا.
رحم الله كل من فقدتم في تلك السنوات السوداء، ورحم زوجتك وأطفالك الشهداء، وأعانك على حمل هذا الوجع الطويل.
ولعل اليوم الذي تنتظره منذ عقود يأتي أخيرًا…
يوم تعود فيه أسماء أحبائك من سجل المفقودين إلى حضن الذاكرة، ومن المجهول إلى التراب الذي يضمهم، فتستطيع أخيرًا أن تقول لهم:
وجدتكم… ولم أنسكم يومًا.




