خالد حسو
من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ.
فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد تتغيّر الظروف، وقد تتبدّل التحالفات، وقد تفرض السياسة مرونةً في الوسائل، لكن المبادئ الكبرى لا ينبغي أن تتحول إلى أوراق للمساومة.
ومن يتوهّم أن بإمكانه تبرير التراجع عن الحق بالمناورة السياسية، إنما يخدع نفسه قبل أن يخدع شعبه. فالمساومة على الحقوق الأساسية ليست دهاءً سياسيًا، والتفريط بالأرض ليس واقعية، والتنازل عن الكرامة الوطنية ليس انتصارًا للتكتيك، بل قد يكون بدايةً لسقوط المبدأ نفسه.
إن التخلي عن حق تقرير المصير، بالنسبة إلى شعب يناضل من أجل حقوقه الوطنية والتاريخية، ليس مجرد تغيير في الموقف السياسي؛ بل هو تراجع عن جوهر القضية، واستقالة من مسؤولية حملها، وقطع لجسرٍ بنته أجيال من التضحيات والصمود.والقضايا الكبرى لا تُحسم بالرجاء، ولا تُسترد بالانتظار، ولا تُصان بالخضوع.
إنها تحتاج إلى إرادة سياسية صلبة، ووعي تاريخي، وصمود طويل النفس، وقدرة على التمسك بالحقوق دون الوقوع في فخ اليأس أو الاستسلام.فالحرية ليست منحة، والكرامة ليست هبة، والحقوق الوطنية لا تُصان بالتوسل، وإنما تُنتزع بالوعي والإرادة والصمود، وتُحمى بالتضحيات والمسؤولية ووحدة الصف.
أيها المناضلون،إذا بقي في صدوركم إيمان بعدالة قضيتكم، فلا تسمحوا لجذوة النضال أن تخبو، ولا تجعلوا الخلافات والانقسامات الداخلية منفذًا يمرّ منه اليأس أو التراجع.
اثبتوا حين تتزلزل المواقف، واصمدوا حين تصبح المساومة أسهل من المواجهة، وتمسّكوا بالحق حين يحاول البعض إقناعكم بأن التخلي عنه هو الطريق الأقصر إلى النجاة.
لكن تذكّروا أيضًا أن الصمود الحقيقي ليس اندفاعًا أعمى، وأن التمسك بالمبدأ لا يعني رفض السياسة، فالحكمة أن تتغيّر الوسائل دون أن تتغيّر الغاية، وأن تكون المرونة في التكتيك خادمةً للمبدأ لا بديلًا عنه.فالتاريخ لا يرحم من فرّط بالحقوق التي اؤتمن عليها، ولا ينسى من وقف ثابتًا حين كان الانحناء أسهل.
اثبتوا… لأن القضايا العادلة لا تموت ما دام هناك من يؤمن بها.وواصلوا الطريق بثباتٍ ووعيٍ وإرادة؛ فالنصر لا يُهدى، ولا يأتي صدفة، وإنما تصنعه المواقف الصلبة، وتراكم التضحيات، وإصرار الأحرار على ألا يتحول حقهم إلى ذكرى، ولا قضيتهم إلى هامش في كتاب التاريخ.
فمن يتخلّى عن قضيته … قد يتخلّى عنه التاريخ،أما من يحفظ قضيته ويحفظ كرامة شعبه، فسيحفظ التاريخ اسمه.
خالد حسو

