مجموعمقالات

سوريا المستقبل: من إنكار التنوع إلى دولة الحقوق والشراكة والسلام

مشاركة

بقلم: خالد حسو

لا يمكن بناء مستقبل سوريا دون مصالحة حقيقية مع تاريخها، والاعتراف بتنوعها وحقوق جميع أبنائها. فالدول لا تُبنى بإنكار مكوناتها أو تهميش هوياتها، بل بالعدالة والاحترام والشراكة، وبإقامة نظام سياسي وقانوني يضمن الكرامة الإنسانية لكل فرد ولكل جماعة.

لم تكن سوريا عبر تاريخها مجتمعاً أحادي الهوية، بل كانت أرضاً غنية بالتنوع القومي والثقافي والديني، حيث عاشت فيها مكونات وشعوب متعددة أسهمت جميعها في بناء تاريخها وحضارتها.

إلا أن عقوداً من السياسات القائمة على الإقصاء وإنكار الخصوصيات والهويات المختلفة، إضافة إلى الحروب والصراعات والتدخلات الخارجية، تركت آثاراً عميقة على المجتمع السوري، وأضعفت مفهوم الدولة القائمة على العدالة وسيادة القانون.

إن أي مشروع حقيقي لبناء سوريا المستقبل لا يمكن أن يبدأ من تجاهل هذه الحقائق، بل من الاعتراف بها ومعالجتها ضمن رؤية سياسية وقانونية حديثة تقوم على احترام الإنسان وحقوق الشعوب والمكونات.

التنوع السوري أساس القوة وليس سبباً للصراعإن سوريا وطن متعدد القوميات والثقافات والأديان، وهذا التنوع ليس عبئاً على الدولة، بل هو جزء من ثروتها الحضارية والإنسانية.

فالمجتمع السوري يضم العرب والكورد والسريان والآشوريين والتركمان والأرمن وغيرهم، كما يضم المسلمين والمسيحيين والإيزيديين وغيرهم من أصحاب المعتقدات المختلفة.

إن جميع هذه المكونات تشكل جزءاً أصيلاً من تاريخ سوريا وحاضرها ومستقبلها، ولا يمكن بناء دولة حديثة ومستقرة إلا من خلال الاعتراف بحقوقها واحترام لغاتها وثقافاتها وخصوصياتها الدينية والاجتماعية.فالتجارب التاريخية أثبتت أن الدول التي حاولت بناء وحدتها على أساس إنكار التنوع لم تحقق الاستقرار الحقيقي، بينما الدول التي احترمت تعدديتها وأقامت مؤسساتها على أساس المساواة وسيادة القانون استطاعت أن تحقق الأمن والتنمية والازدهار.

حقوق الإنسان أساس الدولة العادلةإن احترام حقوق الإنسان هو الأساس الذي يجب أن تقوم عليه أي دولة حديثة. فقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على كرامة الإنسان وحريته ومبدأ المساواة وعدم التمييز، كما أكد ميثاق الأمم المتحدة على احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للشعوب والأفراد.

ولا يمكن الحديث عن دولة ديمقراطية عادلة دون ضمان الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية لجميع المواطنين، وحماية حرية المعتقد واللغة والثقافة، ومنع كافة أشكال التمييز القومي أو الديني أو الطائفي.

إن المواطنة الحقيقية لا تعني إلغاء الهويات والانتماءات، بل تعني أن يكون جميع أبناء الوطن متساوين في الحقوق والواجبات، مع احترام خصوصياتهم التي تشكل جزءاً من غنى المجتمع.

حق الشعوب في تقرير مصيرهاإن حق الشعوب في تقرير مصيرها يُعد من المبادئ الأساسية في القانون الدولي، وقد ورد في ميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، ومنها العهدان الدوليان الخاصان بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ويعبر هذا الحق عن قدرة الشعوب على التعبير عن إرادتها وتحديد مستقبلها السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي بحرية، ضمن الأطر القانونية والسياسية التي تحقق العدالة والسلام وتحفظ حقوق جميع الأطراف.

ومن هذا المنطلق، فإن القضية الكوردية في سوريا، كما هي قضايا بقية المكونات، تحتاج إلى معالجة عادلة وشجاعة تقوم على الاعتراف والاحترام، بعيداً عن سياسات الإنكار أو التهميش.

فالشعب الكوردي جزء أصيل من تاريخ المنطقة، وله لغته وثقافته وهويته القومية، ومن حقه أن تُصان حقوقه القومية والثقافية والسياسية ضمن أي صيغة دستورية مستقبلية عادلة تضمن الشراكة والاستقرار.

وفي الوقت ذاته، فإن الاعتراف بحقوق أي مكون لا يعني إلغاء حقوق الآخرين، بل يجب أن يكون جزءاً من مشروع وطني شامل يضمن حقوق جميع السوريين دون استثناء.

نحو عقد اجتماعي جديد لسورياإن سوريا المستقبل تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على دولة القانون والمؤسسات، ويضمن مشاركة جميع مكوناتها في صياغة مستقبل البلاد، ويحمي التعددية السياسية والثقافية والدينية.

كما أن معالجة آثار الحرب والنزاعات، وعودة النازحين والمهجرين إلى ديارهم، وتحقيق العدالة والمصالحة الوطنية، يجب أن تتم وفق أسس قانونية عادلة تضمن حقوق الضحايا وتمنع تكرار المآسي.

فالسلام لا يتحقق بفرض واقع معين أو بإقصاء طرف لحساب طرف آخر، بل يتحقق عندما يشعر كل إنسان بأن كرامته وحقوقه وهويته مصانة، وأنه شريك حقيقي في بناء وطنه.

السلام والازدهار نتيجة طبيعية للعدالةإن سوريا القوية ليست سوريا التي تلغي اختلاف أبنائها، بل سوريا التي تحمي هذا الاختلاف وتحوله إلى مصدر قوة وتقدم.

فالأوطان لا تُبنى بإنكار التنوع، وإنما بالاعتراف به وتنظيمه ضمن إطار قانوني ودستوري عادل.

إن احترام حقوق الإنسان، وضمان المساواة، والاعتراف بحقوق الشعوب والمكونات، وترسيخ ثقافة الحوار والعيش المشترك، هي الطريق نحو سوريا آمنة ومستقرة ومزدهرة.

فالوطن الحقيقي هو الذي يشعر فيه كل إنسان، أياً كانت قوميته أو دينه أو ثقافته، بأن له مكاناً وكرامة وحقوقاً ومستقبلاً.

وسوريا المستقبل لا تُبنى بالعودة إلى صراعات الماضي، بل ببناء شراكة جديدة قائمة على الحرية والعدالة والسلام والاحترام المتبادل، لتكون وطناً لجميع أبنائها، ومثالاً في التعايش والاستقرار والازدهار.خالد حسو

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى