خالد حسو
“Mirov ku ji şîrê dev şewitî, pifê dewê jî dike”
(من احترق فمه من الحليب، ينفخ على اللبن أيضًا)يعبر هذا المثل الكوردي عن معنى يتجاوز دلالته اللغوية المباشرة، ليصل إلى توصيف سلوك سياسي واجتماعي تشكّل عبر تجارب تاريخية متراكمة.
فالمجتمعات التي تمرّ بظروف صادمة أو خيبات متكررة تميل إلى تطوير نمط من الحذر الاستراتيجي، قد يبدو أحيانًا شديدًا، لكنه في جوهره استجابة عقلانية ناتجة عن تراكم الخبرة والتجربة.
السياق التاريخي:عقب الحرب العالمية الأولى، حملت الترتيبات الدولية آمالًا بإمكانية إعادة رسم الخريطة السياسية بما يضمن الاعتراف بالحقوق القومية لشعوب المنطقة، كما ورد في Treaty of Sèvres (معاهدة سيفر 1920). غير أن إعادة ترتيب المصالح والتوازنات الدولية في Treaty of Lausanne (معاهدة لوزان 1923) أفضت إلى واقع سياسي مختلف، ما رسّخ في الوعي الجمعي إدراكًا بأن التعهدات الدولية قد تتغير تبعًا لمعادلات القوة والمصالح.
هذا التحول المبكر أسهم في تشكيل ذاكرة سياسية جماعية قائمة على الحذر من الوعود غير المضمونة، وتعزيز قراءة الواقع السياسي بعين الواقعية والاحتياط.
الأبعاد المعاصرة:في المرحلة المعاصرة، ولا سيما بعد التطورات التي أعقبت استفتاء إقليم كردستان عام 2017، تأكد مجددًا أن البيئة الإقليمية والدولية تخضع لمتغيرات سريعة، وأن المواقف السياسية المعلنة لا تتحول تلقائيًا إلى التزامات عملية دائمة.
للأسف، لم يقف المجتمع الدولي إلى جانب هذا الاستفتاء الرسمي، ما أظهر مرة أخرى أن الطموح الكوردي وحقنا في تقرير المصير لم يحظيا بالدعم الكافي على المستوى الدولي، رغم أنه جاء في إطار إجراء سياسي سلمي ومعلن.
من هذا المنطلق، فإن تفسير الحذر السياسي الكوردي لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه تشددًا أو انغلاقًا، بل كنهج عقلاني يسعى إلى حماية المكتسبات وتقليل المخاطر في سياق إقليمي ودولي معقد، حيث تتقاطع مصالح الدول الإقليمية والدول الكبرى مع تطلعات الشعب الكوردي.
الإطار النظري والحقوقي:من منظور علم السياسة، يمكن إدراج هذا السلوك ضمن مفاهيم الذاكرة الجماعية وسيكولوجيا ما بعد الصدمة السياسية، حيث تنتج التجارب التاريخية أنماطًا سلوكية ومؤسسية تتسم بالحذر في التعامل مع الفاعلين الداخليين والخارجيين.
وفي الوقت ذاته، يمتلك الشعب الكوردي جميع مقومات الوجود القومي: تاريخًا متجذرًا، أرضًا تاريخية، لغة حيّة، وعادات وتقاليد راسخة، إضافة إلى هوية ثقافية متماسكة تعبّر عن استمرارية تاريخية واضحة.
وبموجب المواثيق الدولية وأحكام القانون الدولي، ولا سيما ما نصّت عليه مبادئ وميثاق United Nations (الأمم المتحدة) بشأن حق الشعوب في تقرير المصير، فإن هذا الحق مكرّس في المرجعيات القانونية الدولية التالية:ميثاق الأمم المتحدة، خاصة المادة (1/2) والمادة (55) التي تؤكد مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، الذي يرسّخ مبادئ الكرامة والمساواة والحقوق الأساسية ضمن الإطار الحقوقي الدولي.
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966، المادة (1) التي تنص صراحة على حق الشعوب في تقرير المصير.العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966، المادة (1) التي تؤكد المبدأ ذاته في سياق التنمية والاختيار السياسي الحر.
تشكل هذه المرجعيات الإطار القانوني الدولي المعترف به لمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير ضمن النظام الدولي المعاصر.
وعليه، فإن أي مسار مستقبلي يجب أن يقوم على أسس قانونية واضحة، وحوار سياسي قائم على الاحترام المتبادل، وبناء شراكات استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة والالتزام بالقانون الدولي.
إن القوى التي تدعم الحقوق المشروعة للشعب الكوردي تُعتبر شركاء محتملين في إطار تعاون مؤسس وواقعي، بعيدًا عن الشعارات، ومبنيًا على المصالح المتبادلة والرؤية المشتركة للاستقرار.
يبقى التاريخ الكوردي شاهدًا على صمود الشعب وتضحياته، كما يشكل مصدر قوة رمزية وسياسية تعزز الوعي الوطني.
إن الوعي بهذا التاريخ، مقرونًا بالشرعية القانونية الدولية، والإرادة السياسية الواعية، والرؤية الاستراتيجية الواضحة، يجعل الحاضر أمتن والمستقبل أكثر استقرارًا، مع الحفاظ على الهوية والحقوق والكرامة الوطنية.
ويمكن القول إن الحذر السياسي ليس ضعفًا، بل أداة للحكمة والتخطيط، والحقوق التاريخية للشعب الكوردي قائمة ومشروعة ضمن القانون الدولي، والطريق نحو المستقبل يمر عبر المعرفة، التنظيم، والشرعية الدولية.



