لا تأتي أربعينية الشهيد صالح مسلم لتغلق صفحةً من التاريخ، بل لتفتحها من جديد على اتساعها، وكأن الغياب نفسه يتحول إلى حضورٍ آخر أكثر كثافة وعمقًا.
هنا لا نتحدث عن رجلٍ رحل فقط، بل عن مسارٍ نضاليٍّ كاملٍ امتدّ من الفرد إلى الفكرة، ومن التجربة إلى القضية، ومن الحياة إلى الذاكرة الجمعية لشعبٍ ما زال يكتب تاريخه في قلب التحولات الكبرى.في هذه اللحظة، يتراجع الرثاء أمام حجم المعنى.
فصالح مسلم لم يترك وراءه فراغًا، بل ترك أثرًا يتجاوز شخصه، ويستمر في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي لمحيطه. إنه من أولئك الذين لا يُقاس حضورهم بالمنصب أو اللحظة، بل بما يتركونه من أثرٍ ممتد في الفكرة والواقع معًا.
الالتزام كخيار وجوديمنذ بدايات تشكّل وعيه السياسي، لم يتعامل مع النضال كوظيفة أو مرحلة، بل كخيارٍ وجوديٍّ لا يقبل التراجع.
كان يدرك أن السياسة، إن انفصلت عن الناس، تفقد معناها، وأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع عبر وعيٍ وتنظيمٍ وصبرٍ طويل.
تجلّى حضوره في ثلاثة أبعاد متداخلة:كان سياسيًا يواجه الواقع بصلابة الموقف،ومفكرًا يحاول أن يصوغ من الألم أفقًا أوسع من الانتماءات الضيقة،ومنظمًا يرى أن قوة الفكرة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى قاعدة اجتماعية حية.بين الزنزانة ووعر الطريقلم تكن محطات الاعتقال في حياته سوى لحظات اختبارٍ للإرادة، لا لانكسارها.
وفي المقابل، لم تكن الجبال محطة هروب، بل انتقالًا إلى فضاءٍ آخر من الصمود، حيث تتعرّى الأشياء من زيفها، ويصبح البقاء فعل مقاومةٍ بحد ذاته.هناك، في تلك المساحات القاسية، لم تتغير قناعاته، بل ازدادت رسوخًا، وكأن التجربة كانت تصهر الفكرة لتصبح أكثر صلابة، وأقرب إلى نبض الواقع.
الدبلوماسية كامتداد للنضالوحين انتقل إلى الساحة الدولية، لم يدخلها كسياسي تقليدي، بل كحامل قضيةٍ يسعى إلى إيصال صوتها إلى العالم.
في أروقة أوروبا، لم يكن يبحث عن تمثيلٍ شكلي، بل عن إعادة تعريف العلاقة بين السياسة والإنسان، بين القرار والمبدأ، بين القوة والعدالة.لقد حاول أن ينقل الصراع من هامش الصمت إلى فضاء الاعتراف، وأن يجعل من الدبلوماسية مساحةً لطرح سؤال الإنسان قبل حسابات المصالح.
كوباني: الذاكرة التي تحولت إلى رمز تبقى كوباني ذروة المعنى في هذه المسيرة. لم تكن مجرد ساحة مواجهة، بل لحظة تاريخية أعادت تعريف معنى الصمود. هناك، حيث واجهت المدينة إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية، تشكلت ملحمةٌ إنسانية امتزجت فيها دماء الكرد والعرب وسائر المكونات، إلى جانب حضورٍ أمميٍ لافت، في صورةٍ تتجاوز الجغرافيا إلى المعنى.
كوباني لم تكن نصرًا عسكريًا فقط، بل تحولت إلى رمزٍ سياسي وأخلاقي، يعكس إمكانية الدفاع عن الحياة في مواجهة العدم، وإمكانية بناء معنى جديد للانتماء يقوم على التعددية والشراكة.
وفي هذا السياق، لا يبدو اسم صالح مسلم منفصلًا عن هذه اللحظة، بل جزءًا من نسيجها. لقد رأى في كوباني بدايةً لمسارٍ تأسيسيٍّ لا نهاية معركة عابرة، بل بداية وعيٍ جديد.
من الذاكرة إلى المسؤوليةإن استذكار صالح مسلم في هذه الأربعينية لا يكتمل بالاحتفاء بالكلمات، بل بالانتقال إلى مساحة المسؤولية. فالقضية التي حملها لا تزال مفتوحة، والأسئلة التي طرحها لا تزال قائمة، والتحديات التي واجهها لم تنتهِ.
الوفاء الحقيقي له لا يكون في استحضار سيرته فقط، بل في تحويلها إلى فعلٍ مستمر: في بناء مؤسساتٍ أكثر عدالة، وفي ترسيخ فكرة الشراكة، وفي الدفاع عن كرامة الإنسان السوري بكل مكوناته دون إقصاء أو تهميش.لقد رحل الجسد، لكن المسار لم يغادر مكانه. غاب الشخص، لكن الفكرة بقيت تتحرك في عمق الواقع، كقوةٍ هادئةٍ لا تُرى لكنها تُحدث أثرها.
إن صالح مسلم، في النهاية، لم يكن مجرد اسم في سجل السياسة، بل كان محاولةً دؤوبة لتحويل الألم إلى معنى، والمعنى إلى مشروع، والمشروع إلى مستقبلٍ لم يكتمل بعد.وهكذا، يبقى الغياب شكلًا آخر من أشكال الحضور… حين يصبح الإنسان فكرة، لا يغيب.
حسن محمد علي




