مقالات

نزير يوسف.. شمعة أضاءت درب الحرية

مشاركة

خبات شاكر

في تاريخ الشعوب الباحثة عن حريتها، يبرز رجال لا تقاس أعمارهم بعدد السنوات التي عاشوها، بل بحجم الأثر الذي تركوه في ذاكرة أوطانهم.

ومن بين أولئك الرجال يبرز اسم الشهيد نزير يوسف، ابن قرية دريجيك، وابن الديانة الإيزيدية العريقة، الذي اختار منذ شبابه المبكر أن يسير في طريق النضال، وأن يجعل من حياته جسراً تعبر عليه أحلام شعبه نحو الحرية والكرامة.

كان نزير يوسف شاباً في مقتبل العمر، متزوجاً عن حب، وأباً لطفلتين كانتا تمثلان له أجمل ما في الحياة.

غير أن حب العائلة لم يمنعه من حمل هموم شعبه وقضيته القومية.

ففي أواخر ثمانينيات القرن الماضي التحق بثورة كردستان، وانخرط بجدية وإخلاص في العمل من أجل الأهداف التي آمن بها، واضعاً مصلحة شعبه فوق كل اعتبار.

لم يكن نزير مجرد مناضل يحمل السلاح أو يردد الشعارات، بل كان نموذجاً للإنسان الكردي الأصيل الذي جمع بين الأخلاق الرفيعة والإيمان العميق بقضيته.

كان محبوباً من كل من عرفه، يترك أثراً طيباً في النفوس أينما حلّ، ويكسب احترام الناس بتواضعه وصدقه وإخلاصه.أتذكر جيداً أواخر عام ١٩٨٨ عندما جئت في إجازة إلى تربسبيه.

يومها جاء الشهيد نزير برفقة الشهيد خبات لزيارتي، وتحادثنا طويلاً حول أوضاع الشعب الكردي ومستقبل الثورة وآمال الحرية. تكررت اللقاءات في الأيام التالية، ومع كل لقاء كنت أكتشف في هذا الشاب صفات نادرة قلما تجتمع في إنسان واحد.

رأيت فيه مثالاً للمناضل المؤمن بقضيته، والمستعد للتضحية من أجلها دون تردد.وفي نوروز عام ١٩٨٩ عملنا معاً ضمن فرقة “هيلز” الفنية في تربسبيه، وأحيينا احتفالات نوروز وسط أجواء وطنية مفعمة بالأمل.

هناك ازددت قرباً منه، ورأيت عن كثب مدى التزامه بمبادئه، وارتباطه العميق بأهداف الحركة الكردية. كان يعمل ليل نهار دون كلل أو ملل، مؤمناً بأن حرية الشعب الكردي ليست حلماً بعيداً، بل هدفاً يستحق أن تُبذل من أجله أغلى التضحيات.

كان الشهيد نزير من عشاق استقلال كردستان. لم تكن الحرية بالنسبة له شعاراً سياسياً عابراً، بل قضية وجود وكرامة وهوية.

ولهذا دفع حياته مهراً لذلك الحلم الكبير، مقدماً أغلى ما يملك في سبيل وطن كان يحلم أن يراه حراً مستقلاً.

وجاءت لحظة الفراق المؤلمة حين استشهد في روجآفا نتيجة خطأ مأساوي وقع من أحد رفاقه، وهم من أكثر الناس قرباً ومحبة له.

كانت خسارة موجعة لكل من عرفه، لأن الموت لم يخطف مناضلاً فحسب، بل إنساناً نبيلاً حمل في قلبه محبة الناس والإيمان بقضيته.

كلما زرت روجآفا أحرص على زيارة قبره، أقف أمامه مستعيداً تلك الأيام القليلة التي جمعتنا، وأتذكر أحاديثه وأحلامه وابتسامته الهادئة.

هناك يعود الزمن إلى الوراء، وتعود معه ذكريات جيل كامل آمن بأن الحرية تستحق التضحية.

وأتذكر أيضاً جنازته المهيبة التي شارك فيها أبناء شعبه ورفاقه، والحزن العميق الذي خيم على كل من عرفه. أما أنا، وفي الغربة البعيدة، فقد تلقيت خبر استشهاده بدموع لم أستطع حبسها، لأنني فقدت صديقاً عزيزاً وإنساناً نادراً.

إن الحديث عن الشهيد نزير يوسف ليس مجرد استذكار لشخص رحل، بل هو استحضار لقيم الوفاء والتضحية والإيمان بالقضية.

فهو واحد من أبناء إيزيدخان الذين أثبتوا عبر تاريخهم أنهم جزء أصيل من مسيرة النضال الكردي، وأنهم قدموا التضحيات دفاعاً عن الحرية والكرامة والوجود.

رحم الله الشهيد نزير يوسف، ابن دريجيك وابن إيزيدخان، وأسكنه فسيح جناته. سيبقى اسمه حياً في ذاكرة من عرفوه، وستظل روحه الطاهرة حاضرة في وجدان كل من يؤمن بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بتضحيات الشجعان.

ستبقى يا نزير في قلوبنا ما دام في الصدور نَفَس، وستبقى ذكراك مشعلاً ينير درب الأجيال القادمة نحو الحرية والكرامة. ألف رحمة على روحك الطاهرة، أيها الشهيد الذي وهب حياته لوطنه وشعبه، فاستحق الخلود في ذاكرة الأحرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى