مجموعمقالات

أحمد حسيني… حين يقود الشعرُ صاحبه إلى المعنى

مشاركة

في أربعينية أحمد حسيني، لا تبدو الكتابة فعلَ رثاءٍ بقدر ما هي محاولة لفهم أثرٍ يصعب احتواؤه.

فبعض الرجال لا يُختصرون في سيرة، ولا تُغلق صفحتهم بالغياب، لأنهم—ببساطة—يتحوّلون إلى جزءٍ من الذاكرة الحيّة.

لم يكن أحمد حسيني شاعرًا عابرًا في مشهدٍ مزدحم، بل كان أحد الأصوات التي أعادت تعريف الشعر بوصفه موقفًا. لم يكتب ليُقال عنه شاعر، بل كتب لأن الكلمة كانت بالنسبة له مسؤولية أخلاقية، وامتدادًا للإنسان.

في سياق تطوّر الشعر الكردي، يمكن النظر إلى أحمد حسيني بوصفه أحد قادة المرحلة الجديدة من الشعر الكردي الحر، تلك المرحلة التي جاءت بعد المسارات التأسيسية الكبرى التي قادها كل من ملاي جزيري وجكرخوين.

وإذا كان أولئك الروّاد قد وضعوا اللبنات الأولى، فإن حسيني حاول أن يفتح أفقًا آخر: أن يعيد الشعر إلى جذره الأول، إلى منبعه، إلى لحظة ولادته الصافية.كان يؤمن أن القصيدة لا تُصنع في القوالب، بل تُولد من التجربة.

ولذلك، لم يبحث عن اللغة المزخرفة بقدر ما بحث عن اللغة الصادقة، اللغة التي تشبه الناس، وتعبّر عنهم دون ادعاء.ومن هنا، كان ارتباطه العميق بمدينة عامودا.

لم تكن بالنسبة له مجرد مكان، بل كانت الأصل الذي يعود إليه كلما ابتعد، والمنبع الذي يستمد منه صوته. في عامودا تعرّف على العالم لأول مرة: على الأرض، على السماء، على النجوم، على الماء، وعلى معنى الوجود. هناك تشكّلت حساسيته الأولى، وهناك بدأت قصيدته.

عامودا، بما تحمله من ذاكرةٍ ثقيلة، لم تكن غائبة عن نصوصه. ففاجعة سينما عامودا، بما تختزنه من ألمٍ إنساني، بقيت حاضرة في وجدانه، لا كحادثةٍ تاريخية، بل كجرحٍ مفتوح.

لم ينسَ الأطفال الذين كانوا ينتظرون مستقبلهم، ولم ينسَ ذاك المشهد الذي يلخّص المعنى الأعمق للإنسانية: الشهيد محمد سعيد دقوري، الذي اندفع لإنقاذ الأطفال، فسقط الجدار عليه، وارتقى وهو يؤدي فعلاً نادرًا في زمنٍ تكثر فيه الحسابات.هذه الذاكرة لم تكن عبئًا عليه، بل كانت بوصلة.

كان يرى في كل مأساة مسؤولية، وفي كل ذكرى التزامًا، وفي كل كلمة موقفًا.على المستوى الإنساني، تميّز أحمد حسيني بوضوحه وشفافيته. لم يكن يجامل، ولم يكن يتلوّن، وكان صادقًا في علاقاته كما هو صادق في نصوصه.

وهذه الصفات هي التي منحت حضوره بين الشعراء والمثقفين تلك الكاريزما الخاصة التي لا تُصنع، بل تُولد من الاتساق بين القول والفعل.

أما على المستوى الثقافي، فقد كان يمتلك عمقًا فكريًا جعله يتجاوز حدود الشعر إلى الفضاء الأوسع للفكر والسياسة والثقافة.

لم يكن ينظر إلى الأدب بوصفه انعزالًا عن الواقع، بل كأداة لفهمه وتغييره.وكان، في الوقت ذاته، وفيًا لذاكرة الشهداء.

لم يتعامل معهم كرموز مجردة، بل كحقيقة حيّة تستدعي السؤال الدائم: كيف نكون أوفياء؟ كيف نليق بهذه التضحيات؟ كيف نحفظ المعنى من التآكل؟

رحل أحمد حسيني، لكن ما تركه لا يمكن أن يُختزل في نصوصٍ مكتوبة.ترك أثرًا في الوعي، في الذاكرة، في طريقة النظر إلى الكلمة وإلى الإنسان.لقد أعاد تذكيرنا بأن الشعر ليس زينة لغوية، بل موقف.

وأن الكلمة، حين تكون صادقة، تصبح فعلًا.وأن الإنسان، حين ينسجم مع قناعاته، يتحوّل إلى معنى.في أربعينيته، لا نقف عند حدود الحزن، بل أمام مسؤولية الاستمرار.فالأثر الحقيقي لا يُقاس بما قيل عنه، بل بما يتركه فينا.

وأحمد حسيني… ترك فينا الكثير.

حسن محمد علي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى