خالد حسو
هناك أشياء لا تُرى بالعين، لكنها تُشعر بثقلها كل يوم …أصوات لا تُسمع، لكنها تملأ القلب صخبًا …وأوجاع لا تُقال، لكنها تُعيش بصمت طويل.ليس كل من يتحرك على هذه الأرض حيًّا بمعنى الحياة …بعض الناس يعيشون فقط لأن الموت لم يصل إليهم بعد،يستيقظون كل صباح لا ليبدؤوا يومًا جديدًا، بل ليحاولوا النجاة من يوم آخر.
الإنسان يمكن أن يتعلّم كيف يعيش فقيرًا …يمكن أن يخفّض توقعاته من الحياة حتى لا ينكسر أكثر،يمكن أن يعتاد على أن يقول “لا بأس” وهو في داخله لا بأس به على الإطلاق .ويمكن أن يتعايش مع الوحدة، أن يصبح الصمت رفيقه الدائم،وأن يمرّ الوقت حوله دون أن يلمسه أحد .ويمكن أن يكبر يتيمًا …يتعلّم مبكرًا كيف يواسي نفسه حين لا يواسيه أحد،وكيف يبتلع خيباته دون أن يشتكي.
لكن الجوع …الجوع ليس حالة من الحياة، بل حالة ضد الحياة.الجوع لا يترك للإنسان فرصة للتأقلم،بل يضغط عليه حتى يصبح كل شيء فيه مشغولًا بالبقاء فقط.هو ليس مجرد فراغ في المعدة،بل فراغ في القدرة، في القوة، في الاحتمال .
حين يجوع الإنسان، لا يعود يفكّر بالمستقبل، ولا بالأحلام، ولا بما كان يريد أن يكونه يومًا …كل ما يصبح مهمًا هو: كيف يمرّ هذا اليوم؟الجوع يغيّر ملامح الناس دون أن يلمس وجوههم، يطفئ شيئًا في العين لا يمكن وصفه بسهولة، ويجعل الإنسان أقل حضورًا في الحياة، كأنه ينسحب منها ببطء .هو اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام أطفاله عاجزًا،يسمع سؤالهم ولا يملك جوابًا،يرى احتياجهم ولا يملك ما يسدّه.
وفي مثل هذه اللحظات،لا يعود الجوع مجرد إحساس جسدي،بل يتحوّل إلى ثقل على القلب، وإهانة صامتة تمشي مع الإنسان أينما ذهب .
في الجوع،تصبح الأشياء البسيطة جدًا أحلامًا ثقيلة:قطعة خبز، وجبة دافئة، يوم بلا خوف.ويصبح الصبر ليس فضيلة، بل ضرورة قاسية لا خيار غيرها.والأقسى من كل ذلك …أن يكون الجوع في الوطن.
أن يشعر الإنسان بالعجز داخل المكان الذي من المفترض أنه يحميه،أن يقف في أرضه ولا يستطيع أن يؤمّن أبسط حقوقه،أن تتحوّل البيوت إلى أماكن صامتة يملؤها الانتظار لا الحياة.
هناك، لا يكون الجوع مجرد نقص في الطعام،بل نقص في الإحساس بالأمان،ونقص في معنى الانتماء نفسه.قد يعيش الإنسان فقيرًا …وقد يعيش وحيدًا …وقد يعيش منسيًا، أو مكسورًا، أو مثقلًا بما لا يُقال…لكن الجوع …الجوع يختصر كل ذلك في شيء واحد:أن تصبح الحياة معركة يومية فقط كي لا تسقط.وفي ختام هذا الألم …لا يترك الجوع الإنسان كما كان،بل يغيّره بصمت،ويأخذ منه شيئًا لا يعود أبدًا …حتى لو عاد الطعام يومًا .




