آفرين علو ـ xeber24.net
في الذكرى الأولى للأحداث الدامية التي هزت منطقة الساحل بين السادس والعاشر من آذار/مارس 2025، يعود ملف الجرائم والانتهاكات الجماعية إلى الواجهة، لكنه يعود محملاً بأسئلة أكثر من الإجابات، وجراحاً أعمق من أن تداويها سنة كاملة من الصمت والوعود.
ففي مثل هذا اليوم من العام الماضي، انقلبت قرى وبلدات الساحل السوري ذات الغالبية العلوية إلى مسارح مفتوحة للموت والرعب. ما بدأ كعملية عسكرية أعلنتها القوات التابعة للسلطة الانتقالية آنذاك لملاحقة “فلول النظام السابق”، سرعان ما تحول إلى ما تصفه منظمات حقوقية دولية بأنه “موجة ممنهجة من القتل الجماعي والانتهاكات التي قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية”.
مجازر بثلاثة أيام: 1600 قتيل و62 مجزرة موثقةخلال 72 ساعة فقط، امتد لهيب العنف من ريف جبلة في اللاذقية إلى أرياف طرطوس وبانياس والقرداحة.
وبحسب التقرير الصادر عن المنظمة الدولية لرصد الجرائم ضد الإنسانية في أيار/مايو 2025، فقد تم توثيق 62 مجزرة طائفية راح ضحيتها 1676 مدنياً، بينهم نساء وأطفال وشيوخ.تحقيقات ميدانية، منها ما نشرته وكالة “رويترز” في تموز/يوليو الماضي، كشفت عن عمليات إعدام ميدانية نفذت استناداً إلى لهجة الضحايا أو بطاقاتهم الشخصية.
مسلحون يرتدون زياً عسكرياً اقتحموا منازل في المختارية والحفة وحي الدعتور، وأعدموا عائلات كاملة، فيما تم التمثيل ببعض الجثث وتركها في الطرقات كأنها غنائم حرب.
المرصد السوري لحقوق الإنسان وثق بدوره مقتل 1682 مدنياً علوياً في 63 مجزرة، مؤكداً أن ما جرى حمل “طابعاً طائفياً واضحاً” تجاوز بكثير إطار الاشتباكات المسلحة أو المواجهات الأمنية.
انتهاكات موازية: خطف وسبي ونهب تحت ستار “النفير”لم يقتصر العنف على القتل فقط، بل شمل بحسب الشهادات الموثقة عمليات خطف طالت أكثر من 50 امرأة، تعرضن لاحتجاز في ظروف مهينة، وصفتها تقارير حقوقية بأنها تصل إلى مرتبة “السبي” في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف.
إلى جانب ذلك، عمليات نهب واسعة طالت منازل وممتلكات المدنيين في مناطق مختلطة، وسط فوضى عارمة تزامنت مع دعوات “النفير العام” و”الجهاد” التي أطلقت من مساجد في عدة مدن سورية.
لجنة تحقيق “تقريرها مسيس”.. واتهامات بتطييب الذاكرة
في مواجهة الغضب المحلي والدولي، أعلنت السلطات في دمشق تشكيل لجنة تحقيق في الأحداث. لكن نتائج اللجنة، التي صدرت منتصف العام الماضي، أثارت سخرية ورفضاً واسعاً في الأوساط القانونية والحقوقية.
فقد خلا التقرير من تسمية المسؤولين بشكل مباشر، مكتفياً بعبارات فضفاضة مثل “فلول النظام السابق” و”عناصر متطوعة غير منضبطة” و”عصابات مارقة”.
وأقرت اللجنة في مؤتمر صحفي بأن استنتاجاتها بنيت على “الشبهة لا الدليل القاطع”، وهو ما اعتبره عضو حزب النهضة الفرنسي، زيد العظم، “كافياً لجعل التقرير مشبوهاً قانونياً”.
الفنانة السورية يارا صبري لخصت ما ورد في التقرير بسخرية مريرة: “تسجيل انتهاكات فردية لعناصر غير منضبطة وبعض الفزعات”، مع غموض في آليات المحاسبة.
أما رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري، فكان أكثر وضوحاً، واصفاً اللجنة بأنها “لجنة لطمس الحقائق”، مضيفاً أن توصيف المجازر كـ”حوادث فردية” يهدف إلى “خفض سقف الجريمة وعدم الاعتراف بها كمجازر منظمة”.
بعد عام.. انتهاكات مستمرة وعدالة غائبة
واليوم، وبعد مرور عام كامل على تلك الأحداث، لا تزال الذاكرة الجماعية لأهالي الساحل تنزف. لم تُعلن أي نتائج شاملة لتحقيقات مستقلة، ولم تتم محاكمة أي من المتورطين بشكل علني.
بل على العكس، تشير تقارير محلية إلى استمرار انتهاكات متفرقة بحق أبناء الطائفة العلوية في المنطقة، ما يؤكد أن الجرح لا يزال مفتوحاً، وأن العدالة، رغم كل التوثيق، لا تزال غائبة في متاهات المرحلة الانتقالية.




