Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

ثقافة الحقد ومأزق الدولة الأحادية

من خطاب التعايش إلى الاعتراف بالحقوق القومية وحق تقرير المصير في سوريا

مشاركة

✍️ خالد حسو

ليست أخطر الأزمات التي عرفتها سوريا تلك التي ظهرت في ساحات القتال وحدها، بل تلك التي سبقتها ومهّدت لها: أزمة الاعتراف بالآخر، وأزمة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأزمة النظر إلى التنوع القومي والثقافي باعتباره خطرًا على وحدة البلاد بدل أن يكون مصدرًا من مصادر قوتها.

فالدولة التي تعجز عن الاعتراف بتعدد مجتمعها، وتصرّ على تعريف الوطن من خلال هوية واحدة، لا تؤسس وحدة وطنية حقيقية، بل تؤسس علاقة غير متوازنة بين الدولة ومواطنيها. وحين تتحول الهوية الوطنية إلى أداة لإذابة الهويات القومية والثقافية الأخرى، يصبح الحديث عن المواطنة والمساواة والتعايش مجرد شعارات ما لم يتحول إلى حقوق دستورية وسياسية وقانونية واضحة.

من هنا، فإن معالجة الأزمة السورية لا يمكن أن تقتصر على تغيير النظام السياسي أو إعادة توزيع السلطة بين النخب، بل تحتاج إلى مراجعة أعمق للمفاهيم التي قامت عليها الدولة، وفي مقدمتها مفهوم الهوية الوطنية، ومكانة القوميات والشعوب، وطبيعة العلاقة بين المركز والمناطق، وحدود سلطة الدولة أمام حقوق الإنسان وحقوق الشعوب.

أولًا: من الدولة الأحادية إلى الدولة التعددية

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الدولة التي تجعل قومية واحدة أو ثقافة واحدة معيارًا لتعريف الوطن، تتحول مع مرور الزمن إلى دولة غير قادرة على تمثيل جميع مواطنيها بالقدر نفسه.

المشكلة ليست في وجود هوية عربية أو في اعتزاز أي شعب بهويته وثقافته، وإنما في تحويل هذه الهوية إلى معيار وحيد للدولة والمواطنة والتاريخ واللغة، بحيث يصبح كل ما هو مختلف عنها موضع شك أو إنكار أو محاولة للذوبان.

وهنا تظهر القضية الكوردية في سوريا بوصفها قضية حقوق واعتراف وشراكة، وليست قضية امتيازات تمنحها الدولة أو الأكثرية.

فالشعب الكوردي في سوريا ليس ظاهرة طارئة، ولا جماعة وافدة، ولا مجرد مجموعة سكانية يمكن اختزال وجودها في تسمية «مكوّن». إنه شعب له وجود تاريخي ولغوي وثقافي وقومي وجغرافي راسخ في سوريا، وله الحق في أن يكون حاضرًا في تعريف الدولة التي يعيش فيها، وفي صياغة دستورها ومؤسساتها ومستقبلها.

والاعتراف بهذا الواقع لا ينتقص من حقوق العرب أو غيرهم، بل يضع الأساس لدولة يشعر فيها الجميع أن الوطن وطنهم، وأن الدستور يحميهم جميعًا.

ثانيًا: التعايش وحده لا يكفي

كثيرًا ما يجري الحديث عن التعايش وكأنه الحل النهائي لمشكلة التنوع. لكن التعايش، مهما كانت قيمته الأخلاقية، لا يكفي إذا بقيت العلاقة بين الجماعات قائمة على تفاوت الحقوق.

التعايش الحقيقي لا يعني أن يعيش المختلفون جنبًا إلى جنب فحسب، وإنما يعني أن تعترف الدولة بهم، وتحمي لغاتهم وثقافاتهم وتاريخهم، وتضمن مشاركتهم السياسية، وتمنع التمييز بحقهم، وتمنحهم حق المشاركة في صناعة القرارات التي تمس حاضرهم ومستقبلهم.

فلا يجوز أن يُطلب من الكوردي أن يتخلى عن لغته لكي يكون مواطنًا كامل الحقوق، ولا أن يُطلب من السرياني أو الآشوري أو الأرمني أو التركماني أن يتعامل مع هويته بوصفها شأنًا خاصًا لا مكان له في المجال العام.

التعايش الحقيقي يبدأ بالاعتراف، والاعتراف الحقيقي يتحول إلى حقوق، والحقوق لا تكون كاملة من دون حماية دستورية.

ثالثًا: المواطنة المتساوية لا تلغي الحقوق القومية

هناك خطأ شائع في فهم المواطنة، يتمثل في الاعتقاد بأن المساواة تعني التعامل مع جميع المواطنين بالطريقة نفسها دون الاعتراف بخصوصياتهم.

المساواة الحقيقية لا تعني إنكار الاختلاف، وإنما تعني أن يحظى المختلفون بالحماية نفسها والكرامة نفسها والحقوق نفسها.

ولهذا فإن الاعتراف بالحقوق القومية والثقافية واللغوية للشعب الكوردي لا يتعارض مع مبدأ المواطنة المتساوية، بل يكمله.

فالمواطن الكوردي يستطيع أن يكون مواطنًا سوريًا كامل الحقوق، وفي الوقت نفسه كورديًا كامل الحقوق في لغته وثقافته وتاريخه وهويته القومية.

ولا ينبغي أن يُفرض على الإنسان الاختيار بين وطنه وهويته.

رابعًا: حق تقرير المصير

هنا نصل إلى المسألة الأكثر حساسية، والأكثر تعرضًا لسوء الفهم: حق الشعوب في تقرير مصيرها.

تقرير المصير ليس شعارًا سياسيًا عابرًا، ولا تهديدًا تلقائيًا لوحدة الدول، بل هو مبدأ معترف به في القانون الدولي، ارتبط بحق الشعوب في أن تحدد بحرية وضعها السياسي ومسارها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

لكن من الضروري التمييز بين مبدأ تقرير المصير وبين اختزاله في الانفصال.

فتقرير المصير لا يعني بالضرورة إقامة دولة مستقلة، كما أن ممارسة هذا الحق يمكن أن تجد تعبيرها في صيغ سياسية ودستورية متعددة، من بينها المشاركة المتساوية في الدولة، والحكم الذاتي، والفيدرالية، وغيرها من الترتيبات التي تضمن للشعب المعني القدرة الحقيقية على إدارة شؤونه والمشاركة في تقرير مستقبله.

ومن هنا، فإن طرح حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره لا يعني بالضرورة الدعوة إلى تقسيم سوريا، وإنما يعني الاعتراف بحقه في أن يكون طرفًا حرًا في تحديد مستقبله السياسي والقومي والدستوري.

فالذي يقرر شكل العلاقة بين الشعوب والدولة لا ينبغي أن يكون طرفًا واحدًا يفرض إرادته على الجميع.

الوحدة لا تكون نقيضًا لتقرير المصير، إذا كانت وحدة طوعية تقوم على العدالة والشراكة والاعتراف.

أما الوحدة التي تُفرض بالقوة، أو تُستخدم ذريعة لإنكار شعب أو لغته أو تاريخه أو حقوقه، فهي ليست وحدة وطنية بالمعنى الحقيقي، وإنما استمرار لعلاقة غير متكافئة بين الدولة ومواطنيها.

خامسًا: تقرير المصير يبدأ من الداخل

لا يمكن الحديث بجدية عن تقرير المصير إذا كان الشعب محرومًا من أبسط حقوقه في اللغة والثقافة والتعليم والتمثيل السياسي.

فتقرير المصير ليس لحظة انتخابية أو استفتاءً فقط؛ إنه مسار متكامل يبدأ من الاعتراف بالوجود، ويمر عبر المساواة السياسية والقانونية والثقافية، وينتهي إلى تمكين الشعب من اختيار الصيغة التي يرى فيها ضمانًا لمستقبله.

ولهذا فإن الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي وحقوقه القومية والثقافية واللغوية والجغرافية ليس مطلبًا منفصلًا عن تقرير المصير، بل هو أحد شروط ممارسته بصورة حقيقية.

سادسًا: لا فيدرالية من دون اعتراف، ولا وحدة من دون شراكة

لقد أظهرت التجربة السورية أن المركزية المفرطة لم تكن قادرة على حماية وحدة البلاد، بل ساهمت في تعميق الأزمات وإنتاج التهميش والاحتقان.

ومن هنا، فإن الانتقال إلى سوريا ديمقراطية اتحادية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع تقسيم، وإنما باعتباره صيغة دستورية يمكن أن تجمع بين وحدة الدولة وحق مناطقها وشعوبها في إدارة شؤونها ضمن إطار اتحادي واضح.

الفيدرالية ليست إلغاءً للدولة، ولا إلغاءً للهوية السورية الجامعة، بل إعادة تعريف للعلاقة بين المركز والأقاليم على أساس دستوري يوزع السلطات ويمنع احتكار القرار.

أما اللامركزية والفيدرالية فليستا مفهومًا واحدًا؛ فاللامركزية قد تبقى خاضعة في جوهرها لإرادة المركز، بينما تقوم الفيدرالية على توزيع دستوري للسلطات لا يستطيع المركز إلغاؤه بإرادته المنفردة.

سابعًا: ثقافة الحقد لا تولد من فراغ

لا يمكن فصل خطاب الكراهية عن البنية السياسية والثقافية التي أنتجته.

فالحقد القومي لا يولد تلقائيًا بين الناس، وإنما يمكن أن تغذيه المناهج التعليمية، والإعلام، والخطاب السياسي، وسياسات الدولة، والتاريخ الرسمي الذي ينتقي ما يريد ويُسكت عن كل ما لا ينسجم مع الرواية السائدة.

حين يُربّى الإنسان على أن لغته هي وحدها لغة الوطن، وأن تاريخ الآخرين هامشي، وأن المطالبة بالحقوق القومية تعني الانفصال، وأن المختلف خطر على الدولة، فإننا لا نؤسس للمواطنة، بل نزرع بذور الصراع في الأجيال القادمة.

لذلك فإن تفكيك ثقافة الحقد ليس مسألة أخلاقية فحسب، بل هو جزء من عملية بناء الدولة.

ثامنًا: لا يجوز تحميل الشعوب مسؤولية أنظمة الاستبداد

إن نقد الدولة الأحادية لا يعني بأي شكل من الأشكال تحميل الشعب العربي مسؤولية سياسات الأنظمة التي حكمت سوريا.

هناك فرق بين الشعب وبين السلطة، وبين الثقافة العربية وبين الأيديولوجيات السياسية التي استخدمت القومية أداة للهيمنة.

والسوريون العرب والكورد والسريان والآشوريون والأرمن والتركمان وسائر أبناء البلاد ليسوا أعداءً طبيعيين لبعضهم بعضًا.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الدولة إلى أداة بيد هوية واحدة، وعندما يصبح اختلاف المواطن عن الهوية الرسمية سببًا للتمييز أو الإقصاء.

ولذلك فإن مشروع العدالة لا ينبغي أن يقوم على الانتقام من أحد، بل على بناء نظام دستوري يمنع تكرار الظلم بحق أي شعب أو جماعة.

تاسعًا: الوطن ليس ملكًا لأكثرية ولا ضيعة لأيديولوجيا

الوطن ليس ملكًا لقومية دون أخرى، ولا لطائفة دون أخرى، ولا لحزب أو أيديولوجيا.

الوطن فضاء مشترك، والدولة مؤسسة عامة، والدستور عقد سياسي وقانوني يجب أن يحمي الجميع.

ولا يمكن أن تكون الوحدة الوطنية ذريعة لإلغاء التعدد، كما لا ينبغي أن يكون التعدد ذريعة لإلغاء الدولة.

المطلوب هو صيغة جديدة تجعل الوحدة نتيجة للعدالة، لا شرطًا مفروضًا قبل تحقيقها.

الوحدة التي تُبنى على الاعتراف أقوى من الوحدة التي تُبنى على الإنكار.

عاشرًا: العدالة شرط للسلام

لا يمكن أن يُطلب من الضحية أن تنسى قبل أن تحصل على حقها، ولا من المهجّر أن يتجاوز مأساته قبل أن تُعالج أسبابها، ولا من الشعب الذي حُرم من لغته وتاريخه وحقوقه أن يعتبر كل مطالبة بالاعتراف تهديدًا للوطن.

السلام الحقيقي لا يقوم على النسيان القسري، بل على العدالة والاعتراف والمصالحة.

والمصالحة ليست إسقاطًا للذاكرة، وإنما حماية للمستقبل من تكرار الماضي.

الحادي عشر: سوريا التي نريدها

إن سوريا التي يمكن أن تستعيد عافيتها ليست سوريا التي تعيد إنتاج الدولة الأحادية تحت أسماء جديدة، وليست دولة تقوم على هيمنة الأكثرية أو إقصاء الأقلية.

إنها سوريا ديمقراطية، دولة مواطنة وحقوق، تعترف بتعددها القومي والثقافي والديني، وتحمي هذا التنوع دستوريًا، وتضمن المشاركة السياسية المتساوية، وتوزع السلطة بصورة عادلة، وتحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها.

وفي هذا الإطار، فإن الفيدرالية الديمقراطية ليست نقيضًا للوحدة السورية، بل يمكن أن تكون إحدى الصيغ التي تجعل هذه الوحدة قابلة للحياة، لأنها تنقلها من وحدة الإكراه إلى وحدة الشراكة.

كلمة أخيرة

إن تجاوز ثقافة الحقد لا يبدأ بالمطالبة من الناس بأن يتسامحوا مع بعضهم فقط، وإنما يبدأ بإعادة بناء الدولة على أساس جديد.

دولة لا تسأل المواطن عن قوميته كي تحدد مقدار حقوقه، ولا تطلب منه التخلي عن لغته كي تثبت ولاءه، ولا تعتبر المطالبة بالحقوق خيانة، ولا تجعل الوحدة الوطنية مرادفًا للذوبان.

إن الاعتراف بالشعب الكوردي وحقوقه القومية والثقافية واللغوية، واحترام حقه في تقرير مصيره، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تهديدًا لسوريا، بل باعتباره جزءًا من عملية بناء سوريا جديدة أكثر عدالة واستقرارًا.

فلا سلام من دون عدالة،
ولا عدالة من دون اعتراف،
ولا اعتراف حقيقي من دون حقوق،
ولا وحدة مستدامة من دون شراكة،
ولا شراكة حقيقية إذا كان طرفٌ واحد يحتكر تعريف الوطن ومستقبل الدولة.

إن سوريا الجديدة لن تُبنى بعقلية سوريا القديمة.

وإذا أردنا وطنًا يتسع للجميع، فعلينا أولًا أن نعترف بأن الوطن لا يصبح أقوى عندما يخاف من تعدده، بل عندما يحمي هذا التعدد ويحوّله إلى مصدر قوة.

الوحدة لا تُفرض؛ الوحدة تُبنى.
وتقرير المصير لا يهدم الوطن؛ إنما الظلم والإنكار هما ما يهدمان الأوطان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى