خالد حسو
سورية ليست لونًا واحدًا، ولا قومية واحدة، ولا ثقافة واحدة؛ بل هي وطن غني بتنوعه القومي والثقافي والديني والمجتمعي، وهذا التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة وثراء، لا سببًا للصراع والانقسام.
ففي سورية يعيش الكورد والعرب، إلى جانب السريان والآشوريين والتركمان وغيرهم، وتتجاور فيها ثقافات ولغات وتقاليد متعددة، كما تتنوع فيها المكونات الدينية والمذهبية، من المسلمين والمسيحيين والإيزيديين والدروز وغيرهم، إلى جانب تنوع فكري ومجتمعي يشمل المتدينين والعلمانيين وسائر التيارات الفكرية.
هذا التنوع ليس مشكلة سورية تحتاج إلى الإلغاء، بل هو حقيقة تاريخية ومجتمعية يجب الاعتراف بها واحترامها وحمايتها.
ومن هنا، فإن بناء سورية مستقرة وديمقراطية لا يكون بمحاولة صهر الجميع في هوية واحدة، ولا بفرض ثقافة أو قومية أو رؤية دينية أو سياسية على الآخرين، وإنما ببناء عقد وطني جديد يقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة، والديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، والاعتراف بالتعدد القومي والثقافي والديني والمجتمعي.
وفي هذا السياق، فإن الاعتراف بحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره بنفسه ينبغي أن يكون جزءًا من أي نقاش جاد حول مستقبل سورية. فتقرير المصير مبدأ راسخ في منظومة القانون الدولي ومواثيق حقوق الشعوب، وينبغي أن يُناقش في الإطار الديمقراطي والسلمي، وبما يضمن إرادة الشعوب وحقوقها، ويحفظ في الوقت ذاته حقوق جميع المكونات.
إن الاعتراف بالهوية الكوردية وحقوق الكورد لا ينتقص من حقوق العرب، كما أن احترام الهوية العربية لا ينبغي أن يكون على حساب حقوق الكورد أو أي مكوّن آخر. فالحقوق لا تتجزأ، وكرامة شعب لا ينبغي أن تُبنى على إنكار كرامة شعب آخر.
والأهم من الاعتراف بالتنوع هو ترجمته إلى حقوق وضمانات فعلية في الدستور والقوانين والمؤسسات؛ فالمساواة لا تتحقق بمجرد إعلانها، وإنما بحماية الحقوق القومية والثقافية والدينية والفكرية، وضمان المشاركة العادلة في إدارة الدولة وصناعة القرار.
إن سورية المستقبل لا تحتاج إلى هوية أحادية تُفرض على الجميع، بل إلى هوية وطنية جامعة تتسع لهويات أبنائها جميعًا. فالكوردي لا يحتاج إلى التخلي عن هويته ليكون سوريًا، والعربي لا يحتاج إلى التخلي عن هويته ليحترم هوية غيره، وكذلك كل مكوّن من مكونات المجتمع السوري.
وحدة سورية لا تتناقض مع الاعتراف بتعدد هوياتها؛ بل إن الوحدة الحقيقية تصبح أكثر رسوخًا عندما تقوم على الرضا والعدالة والمساواة، لا على الإلغاء والفرض والإكراه.
فسورية القوية ليست سورية التي تلغي تنوعها، وإنما سورية التي تجعل من هذا التنوع مصدرًا للتكامل، ومن الاختلاف مساحةً للحوار، ومن التعدد أساسًا لشراكة وطنية حقيقية.
فكما أن الطبيعة لا تزدهر بلون واحد، فإن الأوطان لا تزدهر بهوية واحدة؛ قوتها في تنوعها، واستقرارها في عدالتها، ومستقبلها في قدرتها على تحويل هذا التنوع إلى شراكة وطنية جامعة.


