Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مجموعمقالات

الإيزيدية والشعب الكوردي:ذاكرة واحدة وهوية لا تُجزّأ

مشاركة

ذاكرة تاريخية، وهوية راسخة، ومستقبل يقوم على الاعتراف والحرية والعدالة

بقلم: خالد حسو

تطرح قضية الإيزيديين في سوريا الجديدة سؤالًا يتجاوز حدود الاعتراف الديني أو الحقوق الثقافية؛ فهي ترتبط بجوهر العلاقة بين الإنسان وهويته، وبين الدين والتاريخ والجغرافيا، وبين الشعوب وحقها في الحفاظ على وجودها وخصوصيتها وكرامتها.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن الإيزيديين لا ينبغي أن يكون حديثًا عن فئة دينية معزولة عن محيطها التاريخي والاجتماعي، بل عن ديانة تاريخية عريقة، وعن أبناء حافظوا عبر قرون طويلة على عقيدتهم وطقوسهم وتراثهم، وعن شعبٍ أصيل له جذوره التاريخية في هذه المنطقة.

الإيزيدية في التاريخ الكوردي

الإيزيدية ديانة تاريخية عريقة للشعب الكوردي، وجزء أصيل من تاريخه الديني والثقافي والاجتماعي. وقد حافظ الإيزيديون عبر القرون على عقيدتهم وطقوسهم وأعيادهم وعاداتهم وتقاليدهم وتراثهم، في إطار تاريخي وجغرافي واجتماعي تشابك مع تاريخ الشعب الكوردي ومجتمعاته.

ولهذا فإن حضور الإيزيدية في التاريخ الكوردي ليس ظاهرة عابرة، بل هو حضور متجذر في الذاكرة التاريخية والثقافية والاجتماعية، وفي حياة المجتمعات التي عاش فيها الإيزيديون، ولا يزال حاضرًا في الثقافة والعادات والتقاليد والموروث الشعبي.

وفي الوقت نفسه، تتمتع الإيزيدية بخصوصيتها الدينية والروحية والثقافية، وهذه الخصوصية لا تتعارض مع الانتماء القومي. فالدين والقومية مفهومان مختلفان، لكنهما قد يلتقيان في التاريخ والجغرافيا واللغة والثقافة والذاكرة المشتركة.

الإيزيدية والشعب الكوردي: وجهان لذاكرة تاريخية واحدة

يمكن التعبير عن هذه العلاقة، بالمعنى الرمزي والوجداني، بالقول:

«الإيزيدية والشعب الكوردي وجهان لذاكرة تاريخية وهوية قومية عميقة؛ تجمعهما الأرض والتاريخ والتراث واللغة والعادات والتقاليد، مع بقاء الإيزيدية ديانةً ذات خصوصية روحية وثقافية أصيلة.»

وهذا التعبير لا يعني الخلط بين الدين والقومية، ولا إلغاء الخصوصية الدينية للإيزيدية، وإنما يؤكد عمق التداخل التاريخي والثقافي والاجتماعي بين الإيزيديين والشعب الكوردي.

إن احترام الإيزيدية لا يكون بعزلها عن محيطها التاريخي، كما أن احترام الهوية الكوردية لا يكون بإنكار التنوع الديني والثقافي داخل المجتمع الكوردي.

الاعتراف الدستوري بالإيزيدية

إذا كانت سوريا الجديدة تسعى إلى بناء دولة ديمقراطية تحترم تاريخها وتنوعها، فإن الاعتراف الدستوري بالإيزيدية كديانة تاريخية عريقة وذات خصوصية روحية وثقافية أصيلة ينبغي أن يكون جزءًا واضحًا من البناء الدستوري الجديد.

ولا يكفي أن تذكر النصوص الدستورية حرية المعتقد بصورة عامة، بل ينبغي أن تتضمن ضمانات واضحة لحماية الإيزيدية، وحماية أتباعها ومؤسساتها وأماكنها المقدسة وتراثها الديني والثقافي.

كما ينبغي أن يضمن الدستور والقوانين حق الإيزيديين في الحفاظ على هويتهم الدينية ونقلها إلى الأجيال القادمة، بما في ذلك حقهم في إنشاء المؤسسات والمراكز الدينية والثقافية التي تعنى بتعليم أبنائهم دينهم وتراثهم وتاريخهم.

تعليم الإيزيدية وحماية الذاكرة

ومن الحقوق المهمة التي ينبغي أن تحظى بالحماية القانونية إتاحة تعليم الدين الإيزيدي وثقافته وتراثه لأبناء الإيزيديين في المدارس، بصورة اختيارية، ووفق مناهج تربوية وعلمية مناسبة تحترم حرية الضمير والمعتقد.

فالمقصود ليس فرض عقيدة على أحد، وإنما تمكين أبناء الإيزيديين من معرفة دينهم وتاريخهم وتراثهم، وحمايتهم من فقدان ذاكرتهم الدينية والثقافية مع مرور الأجيال.

كما ينبغي أن تتاح في المناهج التعليمية العامة مساحة مناسبة للتعريف بتاريخ الإيزيدية وتراثها ومكانتها في التاريخ السوري والكوردي، بما يسهم في نشر المعرفة والتفاهم، ومحاربة الجهل والصور النمطية والتمييز.

فما لا يُدرَّس ولا يُوثَّق ولا يُحمى قانونيًا معرضٌ لأن يُهمَّش مع الزمن، وما يُصان في الدستور والتعليم والثقافة يبقى جزءًا حيًا من ذاكرة المجتمع.

حقوق الإيزيديين في سوريا الجديدة

إن حماية الإيزيدية لا تكتمل بالاعتراف الرمزي وحده، بل تحتاج إلى ضمانات دستورية وقانونية واضحة تحمي:

  • حرية العقيدة والضمير وممارسة الشعائر الدينية.
  • الاعتراف الدستوري بالإيزيدية وحماية خصوصيتها الدينية والثقافية.
  • حماية المعابد والمزارات والأماكن المقدسة.
  • حماية التراث الإيزيدي المادي وغير المادي.
  • حق الإيزيديين في تعليم أبنائهم دينهم وتراثهم وثقافتهم.
  • منع التمييز على أساس الدين أو القومية أو اللغة أو الأصل.
  • المشاركة السياسية المتساوية في مؤسسات الدولة.
  • حماية الملكية والوجود السكاني ومنع التغيير الديموغرافي القسري.
  • ضمان العودة الآمنة والكريمة لكل من أُجبر على ترك موطنه.

وهذه الحقوق ليست امتيازات تمنحها سلطة لأحد، بل حقوق أصيلة ينبغي أن تكون محمية بالدستور والقانون.

الهوية الكوردية والخصوصية الإيزيدية

إن الاعتراف بالهوية الكوردية للإيزيديين، بالنسبة لمن يتمسكون بهذه الهوية، لا يعني بأي شكل من الأشكال الانتقاص من ديانتهم.

فيمكن للإنسان أن يكون كوردياً في هويته القومية، وإيزيدياً في دينه، وأن يعتز بتراثه الديني دون أن يتخلى عن انتمائه القومي والثقافي.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين مفهوم الدين ومفهوم القومية، مع الاعتراف بأن التاريخ الاجتماعي والثقافي جعل بينهما مساحات واسعة من التداخل.

إن قوة الهوية لا تأتي من إلغاء الخصوصية، وإنما من القدرة على حماية التنوع واحترامه.

القضية الكوردية وحق تقرير المصير

ولا يمكن فصل قضية الإيزيديين عن القضية الأوسع المتعلقة بحقوق الشعب الكوردي في سوريا.

فالشعب الكوردي ليس مجرد مكوّن اجتماعي، بل شعب أصيل له تاريخه وجغرافيته ولغته وثقافته وتراثه ووجوده التاريخي، وله حقوق قومية وسياسية وثقافية مشروعة.

ومن المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تحظى بالاعتراف والاحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفقًا للمبادئ التي كرستها المواثيق الدولية، وبما يضمن للشعب الكوردي حقه في اختيار مستقبله السياسي والدستوري بالوسائل الديمقراطية والسلمية.

وفي سوريا الجديدة، ينبغي أن يكون هذا الحق جزءًا من حوار وطني ودستوري جاد، يقوم على الاعتراف المتبادل، وليس على الإنكار أو الإقصاء أو فرض إرادة طرف على طرف آخر.

سوريا ديمقراطية فيدرالية

إن رؤيتنا لسوريا المستقبل لا تقوم على إعادة إنتاج الدولة المركزية التي أثبتت التجارب التاريخية أنها كانت سببًا في تعميق التهميش والصراعات والانقسامات، وإنما تقوم على بناء دولة سورية ديمقراطية فيدرالية، يكون فيها التنوع مصدر قوة، لا سببًا للصراع.

الفيدرالية، في هذا التصور، ليست تقسيمًا لسوريا ولا مشروعًا لإضعاف وحدتها، بل هي صيغة دستورية لإدارة التنوع وتحقيق الشراكة والعدالة، من خلال توزيع واضح للصلاحيات بين المركز والأقاليم، وضمان مشاركة المواطنين والشعوب في إدارة شؤونهم المحلية، مع الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها.

إن سوريا الفيدرالية الديمقراطية التي نطمح إليها هي دولة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وفصل السلطات، والاعتراف بالتعدد القومي والثقافي والديني، وضمان الحقوق والحريات الأساسية للجميع.

وفي إطار هذا النموذج، يمكن للشعب الكوردي أن يمارس حقوقه القومية والثقافية والسياسية، وأن يحافظ على لغته وثقافته وتراثه، وأن يشارك بصورة عادلة في مؤسسات الدولة، ضمن نظام دستوري يضمن الشراكة والعدالة.

نحو عقد دستوري جديد

إن بناء سوريا الجديدة يتطلب عقدًا دستوريًا يعترف بالواقع التاريخي والاجتماعي للبلاد، ويؤسس لدولة ديمقراطية فيدرالية لا تقوم على إنكار الهويات، ولا على فرض هوية قومية أو دينية واحدة على الجميع.

وينبغي أن يضمن هذا العقد:

أولًا: الاعتراف بالشعب الكوردي وحقوقه القومية واللغوية والثقافية والسياسية.

ثانيًا: الاعتراف بالإيزيدية كديانة تاريخية عريقة، وضمان حمايتها دستوريًا وقانونيًا.

ثالثًا: حماية حرية العقيدة والضمير والممارسة الدينية، وضمان عدم التمييز بسبب الدين أو القومية أو اللغة.

رابعًا: حماية اللغات والثقافات والتراث، وضمان حق الشعوب وأتباع الديانات المختلفة في الحفاظ على هوياتهم وتعليم أبنائهم لغاتهم وثقافاتهم ودياناتهم ضمن إطار القانون.

خامسًا: ضمان المساواة الكاملة أمام القانون، ومنع جميع أشكال التمييز والاضطهاد.

سادسًا: اعتماد نظام ديمقراطي فيدرالي يقوم على الشراكة السياسية، واللامركزية الدستورية، والتوزيع العادل للصلاحيات والموارد، ويضمن للشعوب والمجتمعات إدارة شؤونها والمشاركة الفعلية في صياغة مستقبلها السياسي والدستوري.

نحو سوريا تتسع للجميع

إن سوريا المستقبل التي نريدها ليست سوريا الإقصاء أو الإنكار أو الهيمنة، بل سوريا ديمقراطية فيدرالية تتسع لجميع أبنائها، وتحترم تاريخهم وهوياتهم وحقوقهم وحرياتهم.

سوريا التي نريدها هي دولة القانون والمواطنة والعدالة؛ دولة تعترف بالشعب الكوردي وحقوقه، وتحمي الإيزيدية وخصوصيتها الدينية والثقافية، وتصون حقوق جميع السوريين دون تمييز.

إن الاعتراف الحقيقي لا يكون بالشعارات، وإنما بالنصوص الدستورية الواضحة، والقوانين العادلة، والمؤسسات الديمقراطية، والممارسة السياسية التي تترجم المساواة إلى واقع.

وفي النهاية، فإن مستقبل الإيزيديين والشعب الكوردي، كما مستقبل جميع السوريين، يجب ألا يُبنى على الخوف أو الإقصاء أو إنكار الآخر، بل على الاعتراف المتبادل، والعدالة، والحرية، والكرامة الإنسانية.

فالتاريخ لا يُمحى بالإنكار، والهوية لا تُلغى بالقوة، والحقوق لا تُمنح كمنّة؛ وإنما تُصان بالاعتراف والدستور والقانون والعدالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى