خالد حسو
رحل أستاذ جمعة عبد القادر دون أن نتمكّن من توديعه… وكأن الرحيل جاء قاسيًا ومباغتًا كما كانت الحياة أحيانًا.كان أستاذي لمادة اللغة العربية في المرحلة الثانوية في ثانوية مازن دباب في حي السريان في حلب.
لم يكن مجرد معلم يشرح دروسًا، بل كان صاحب أثر كبير في حياتنا الدراسية والفكرية، إذ كان يشجعنا على التعلم، ويزرع فينا الاهتمام الحقيقي باللغة العربية وآدابها.
كان يتمتع بثقافة واسعة، وشخصية واضحة الملامح من حيث الوعي والانفتاح، وكان يميل إلى روح ديمقراطية وتقدمية في تعامله معنا داخل الصف.أذكر جيدًا موقفًا لا يزال حاضرًا في ذاكرتي رغم مرور الزمن… كان ذلك عندما كنت في الصف العاشر، في بداية التحاقي بالمرحلة الثانوية، وكان ذلك في شهر تشرين الأول.
كنت حينها جديدًا على هذا المستوى الدراسي، وقد انتقلت للتو من قريتي “قطمة”، حيث كنا جميعًا من الكُورد، وكانت لغتنا العربية ما تزال ضعيفة وركيكة، لأننا لم نكن قد تعمّقنا فيها بعد كما هو الحال في المدينة والمدرسة الثانوية.في أحد الدروس، أعطانا الأستاذ جمعة قصيدة للشاعر سميح القاسم، وطلب منا أن نشرح الأبيات التالية.
قمنا بمحاولة شرحها حسب فهمنا وإمكاناتنا اللغوية، كلٌّ بطريقته، رغم محدودية لغتنا العربية في ذلك الوقت.في اليوم التالي، دخل الأستاذ جمعة إلى الصف، ونادى أولًا على أولئك الطلاب الثلاثة، وطلب منهم أن يتقدموا إلى السبورة. وكان في الصف ثلاثة طلاب يُعتبرون من المتفوقين في اللغة العربية: عبد الرحمن حوري، وهو عربي ومن عائلة ذات توجه تقدمي، وجورج مختار وهو مسيحي، ومحمد الجنزير وهو علوي.بعد أن أنهوا إجاباتهم، ناداني أيضًا وقال: “تفضل يا خالد حسو”.
ثم قال موجهًا حديثه إلى الصف إن هؤلاء الثلاثة عرب، وهذه لغتهم، وكان يُفترض أن يكون شرحهم للأبيات أفضل وأعمق، لكن ما قدّموه كان – بحسب تقييمه – مخيّبًا إلى حد ما.
ثم أشار إليّ، وقال إن خالد حسو كوردي، وهذه ليست لغته الأم، وهو حديث العهد بالمدينة وبالدراسة الثانوية، ولغته العربية ما تزال ضعيفة وركيكة. ومع ذلك، كان شرحي للقصيدة صحيحًا من حيث المعنى بنسبة كبيرة، ولذلك منحني علامة 17 من 20، مضيفًا أنه لو كانت قواعد اللغة لديّ أقوى لكان يستحق العلامة الكاملة 20 من 20.بعد ذلك بسنة، حصلت على منحة دراسية في براغ، عاصمة الجمهورية التشيكية، لإتمام دراستي الجامعية.
غادرت البلاد، وانقطعت كثير من العلاقات لفترة طويلة، ثم امتدت سنوات الغياب والبعد.لاحقًا، وبعد استقراره في مراحل مختلفة من حياته في دبي ثم في تركيا، تمكنت من الحصول على رقم هاتفه، وعادت بيننا جسور التواصل من جديد، قبل أن يستقر في ألمانيا.
ومنذ ذلك الحين أصبح بيننا تواصل واتصال دائم، نتبادل فيه الحديث عن كثير من القضايا الاجتماعية والسياسية، وعن الذكريات القديمة التي جمعتنا في الصفوف الأولى، وعن تلك الأيام التي كانت تبدو بسيطة لكنها بقيت عميقة الأثر.
كان بيننا تفاهم صادق، وكثيرًا ما اتفقنا على فكرة اللقاء، لكن الظروف لم تكن تساعد، وكان الزمن دائمًا يسبقنا بخطوة، حتى لم نتمكن من اللقاء كما خططنا، وبقيت تلك الأمنية معلّقة.
وإلى أن جاء الخبر الذي لم يكن في الحسبان… غادرنا دون أن نتمكّن من توديعه.وكانت آخر كلماته التي قالها لي، والتي لا تزال عالقة في الذاكرة، أنه كان يقول: إنه يفخر ويعتز بي، وبثقافتي، وأبحاثي، ودراساتي، ومقالاتي. وكان يكرر دائمًا: “أنت من بين جميع الطلاب، لا تزال نشيطًا وكاتبًا ومتابعًا”.
وكان يكرر دائمًا: “أنت من بين جميع الطلاب، لا تزال نشيطًا وكاتبًا ومتابعًا”، وهي كلمات بقيت بعد رحيله كصدى أخير لصوته في الذاكرة، لا يخفت مع مرور الوقت، بل يزداد حضورًا كلما استعدتُ ملامحه وكلماته.
_____________________________________________
——- هدية ثمينة وقيمة من الأستاذ جمعة عبد القادر……. قصص قصيرة لامست القلب والروح والوجدانانحنت الأبجدية أمام نصكم الباذخ، إجلالًا لجماله وعمقه، بما يحمله من أبعادٍ تعبيرية ومعرفية راقية…شكراً لكم أستاذي القدير، على هذا العطاء الذي يبقى أثره حيًّا في الذاكرة والوجدان…… تلميذكم: خالد حسو

ملاحظة:——– أستاذ جمعة عبد القادر أبو بشار، أستاذ اللغة والأدب العربي، وكان أستاذي في المرحلة الثانوية في ثانوية مازن مازن الدباغ، حي السريان في مدينة حلب.




