خبات شاكر
اندماج القوى الكوردية في الدولة السورية… هل تولد سورية الجديدة من بوابة روجافا؟
في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا تُقاس الانتصارات بعدد البنادق، بل بقدرة المختلفين على الجلوس حول طاولة واحدة، والاتفاق على وطنٍ يتّسع للجميع.
واليوم، تبدو سورية أمام اختبارٍ تاريخي بالغ الحساسية، مع تصاعد الحديث عن مفاوضات مكثفة لدمج القوات الكوردية، بما فيها قوات المرأة الكوردية في روجافا، ضمن مؤسسات الدولة السورية، سواء في إطار الجيش أو أجهزة الأمن العام.
هذه ليست مجرد مفاوضات عسكرية أو ترتيبات أمنية عابرة، بل محاولة لإعادة تعريف معنى الدولة السورية نفسها بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والدمار. فحين تُفتح أبواب الدولة أمام جميع مكوناتها القومية والدينية والثقافية، تصبح فكرة “سورية الجديدة” أقرب إلى الواقع منها إلى الشعار السياسي.لقد أثبتت المرأة الكوردية، خلال سنوات الحرب ضد الإرهاب، أنها لم تكن مجرد عنصر عسكري في ساحات القتال، بل تحوّلت إلى رمز عالمي للمقاومة والكرامة والدفاع عن الأرض والإنسان.
ولهذا، فإن إدماج هذه القوات ضمن مؤسسات وطنية سورية لا يعني إلغاء خصوصيتها أو تضحياتها، بل الاعتراف بدورها وتحويله إلى جزء من ذاكرة الدولة الجديدة.
إن نجاح هذا الاندماج، بالتوازي مع الاعتراف بالإدارة الذاتية كمكوّن سياسي واجتماعي ضمن الدولة السورية، وفتح المجال أمام التعليم باللغة الكوردية في المدارس الرسمية، سيكون لحظة تاريخية فارقة، ليس للكورد وحدهم، بل لكل السوريين.
لأن الدولة التي تعترف بلغات وثقافات أبنائها، هي دولة واثقة من نفسها، لا تخشى التنوع بل تعتبره مصدر قوة.وفي حال تمكنت حكومة أحمد الشرع من إقناع مختلف المكونات السورية بالمشاركة في مشروع وطني جامع، يقوم على الاندماج والتوافق وكتابة دستور جديد، فقد تكون سورية أمام فرصة نادرة للخروج من قرنٍ كامل من الأزمات والانقلابات والصراعات الهوياتية.فسورية اليوم لا تحتاج إلى دستور يُكتب بالحبر فقط، بل إلى عقد اجتماعي جديد يُكتب بالثقة المتبادلة.
عقد يعترف بالكورد والعرب والسريان والآشوريين والدروز والعلويين والإيزيديين وسائر المكونات كشركاء حقيقيين في الوطن، لا كأقليات هامشية تنتظر الرضى السياسي من المركز.
وفي هذا السياق، فإن منح تمثيل سياسي حقيقي للكورد داخل البرلمان السوري، عبر نسبة عادلة ومؤثرة قد تصل إلى أربعين نائبًا، لن يكون “امتيازًا”، بل تصحيحًا تاريخيًا لعقود طويلة من التهميش والإقصاء. كما أن تخصيص مقعد برلماني للمكون الإيزيدي، تقديرًا لحساسية وضعه التاريخي وما تعرض له من إبادة واضطهاد في سورية والمنطقة، سيكون رسالة أخلاقية وسياسية مهمة، تؤكد أن الدولة الجديدة لا تنسى جراح مكوناتها.
إن نجاح التجربة الكوردية السورية في الاندماج السياسي والعسكري قد يفتح الباب لاحقًا أمام نماذج مشابهة في مناطق أخرى، مثل السويداء وغيرها، حيث تبحث المكونات المحلية عن ضمانات حقيقية للشراكة والكرامة والخصوصية ضمن دولة موحدة.لكن الطريق ما يزال محفوفًا بالتحديات.
فهناك قوى إقليمية لا تنظر بعين الرضا إلى أي حل ديمقراطي للكورد في سورية، وهناك أيضًا إرث ثقيل من انعدام الثقة بين المركز والأطراف، وبين الدولة والمجتمع. كما أن بناء جيش وطني جامع يحتاج إلى رؤية تتجاوز عقلية الغلبة والانتصار العسكري، نحو مفهوم المواطنة المتساوية.
ورغم ذلك، فإن مجرد جلوس الأطراف المختلفة إلى طاولة الحوار، والحديث عن الاندماج بدل الاقتتال، وعن الدستور بدل السلاح، هو بحد ذاته تحوّل عميق في المشهد السوري.
ربما لا تكون سورية الجديدة قد وُلدت بعد، لكن ملامحها بدأت تظهر ببطء…في مدرسةٍ تُدرّس اللغة الكوردية رسميًا،وفي برلمانٍ يعترف بالإيزيدي والكوردي والعربي كشركاء،وفي جيشٍ لا يسأل الجندي عن قوميته، بل عن ولائه للوطن.
هناك فقط… قد تنتصر سورية أخيرًا على حربها الطويلة مع نفسها.




