مقالات

عبد السلام أوصمان… حين تتحول السيرة إلى موقف، والبيت إلى وطن مصغّر

مشاركة

خبات شاكر

في المدن الصغيرة، لا تُقاس قيمة الرجال بما يملكون، بل بما يتركونه من أثر في الوجدان الجمعي.

وفي تربه‌سبيه، تلك البلدة التي اختبرت عبر تاريخها معنى التعايش والتحدي، برزت شخصيات لم تكتب أسماءها في دفاتر السياسة الرسمية، لكنها حفرت حضورها في ذاكرة الناس كجزء من المعنى الحقيقي للوطن.

كان عبد السلام أوصمان واحدًا من هؤلاء؛ رجلٌ لم يسعَ إلى دور، بل صار الدور ذاته.

من تراب كَفِرزێ، حيث بدأت الحكاية الأولى، حمل عبد السلام معه ذاكرة الاقتلاع القسري، تلك التي لا تُرى لكنها تسكن في عمق الإنسان، وتعيد تشكيل نظرته إلى العالم.

لم تكن الهجرة المبكرة مجرد انتقال جغرافي، بل كانت ولادة مبكرة لوعيٍ يدرك معنى الظلم، ويبحث في المقابل عن العدالة بصيغها الإنسانية البسيطة.

وهكذا، حين استقر في تربه‌سبيه، لم يكن غريبًا عابرًا، بل مشروع انتماءٍ يتشكل بهدوء.في بيئة لم تكن غنية بالمال، لكنها كانت غنية بالقيم، تشكلت شخصية عبد السلام. هناك تعلّم أن الاحترام لا يُطلب بل يُكتسب، وأن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون رأس مالٍ لا ينضب.

لم يكن صاخبًا، ولا من أولئك الذين يفرضون حضورهم بالقوة، لكنه كان حاضرًا دائمًا بثقل المعنى؛ بهدوءٍ يشبه ثقة العارفين، وببساطةٍ تخفي عمق التجربة.

سياسيًا، لم يكن عبد السلام رجل شعارات، بل رجل مواقف. وفي زمنٍ امتلأت فيه الساحات بالكلام الكبير، اختار أن يكون قريبًا من الناس، من تفاصيلهم اليومية، من همومهم الصغيرة التي تشكل في مجموعها القضية الكبرى. بيتُه لم يكن جدرانًا فقط، بل مساحة مفتوحة للنقاش، وملتقىً لثوار ومناضلين، ومنبرًا غير رسمي للفكر الكردي الأصيل.

هناك، كانت تُناقش القضايا دون ادعاء، وتُبنى العلاقات دون حسابات ضيقة. لم يكن ذلك ترفًا، بل تعبيرًا عن فهمٍ عميق بأن السياسة الحقيقية تبدأ من المجتمع، لا من فوقه.

وفقدُ أخيه الشهيد خبات لم يدفعه نحو القسوة أو الانغلاق، بل زاده اتساعًا. حمل الحزن كقيمة أخلاقية، لا كعبء، وحوّله إلى طاقةٍ صامتة تدفعه نحو المزيد من الالتزام. في هذا المعنى، لم يكن مجرد شقيق شهيد، بل حارسًا لذاكرة الشهادة، يترجمها في سلوكه اليومي، وفي احترامه للحياة والناس.

ما ميّز عبد السلام أكثر، هو قدرته على أن يكون جسرًا حقيقيًا بين مكونات تربه‌ سبيه.

في منطقةٍ كثيرًا ما حاولت السياسة تفكيك نسيجها الاجتماعي، كان هو نموذجًا معاكسًا؛ يتحدث الكردية والعربية والسريانية، لا كلغاتٍ فقط، بل كجسور فهمٍ وانفتاح. لم يرَ في التنوع تهديدًا، بل ثراءً، ولم يتعامل مع الاختلاف كحاجز، بل كفرصةٍ للتلاقي. وهنا تحديدًا تتجلى وطنيته: في قدرته على جمع ما يُراد له أن يتفرق.حتى في عمله، لم يكن التاجر الذي يبيع ويشتري فقط، بل الإنسان الذي يبني ثقة.

متجره لم يكن مجرد محل، بل مساحة للعلاقة الإنسانية، حيث تتحول النصيحة إلى قيمة، والصدق إلى هوية. وفي زمنٍ تتآكل فيه الثقة بسهولة، استطاع أن يحافظ على سمعته كجزء من أخلاقه، لا كوسيلة للربح.

أما في بيته، فقد اختار أن يكتب امتداده الحقيقي. لم يربِّ أبناءه على الطاعة، بل على الوعي؛ لم يفرض عليهم طريقًا، بل فتح لهم آفاقًا. بين الرياضة والفن والموسيقى، كان يبني إنسانًا متكاملًا، يؤمن بالجمال كما يؤمن بالقضية.

وهكذا، لم تكن عائلته مجرد امتداد بيولوجي، بل مشروع ثقافي وإنساني يحمل روحًا متجددة لذاكرة خبات، ويعيد إنتاجها بلغة العصر.رحل عبد السلام أوصمان بهدوء، كما عاش.

لم يترك وراءه ثروةً تُحصى، لكنه ترك ما هو أثمن: سيرة تُروى، وذاكرة تُستعاد، وأثرًا يصعب محوه. في زمنٍ يكثر فيه العابرون، كان من أولئك القلائل الذين يبقون.

إن الحديث عن عبد السلام ليس مجرد رثاء لشخص، بل استعادة لنموذجٍ نادر في الحياة العامة؛ نموذج الرجل الذي فهم الوطن كعلاقة يومية مع الناس، لا كشعارٍ يُرفع.

وفي هذا، تكمن أهميته الحقيقية: أنه لم يكن فقط أحد وجهاء تربه‌سبيه، بل كان أحد أعمدتها الصامتة، التي تقوم عليها المدن دون أن تُرى.لروحه الرحمة، ولذكراه ذلك البقاء الذي لا تمنحه المناصب، بل تمنحه محبة الناس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى