خالد حسو
سوريا ليست قالبًا واحدًا ولا هويةً مغلقة، بل هي فضاءٌ تاريخيٌّ وإنسانيٌّ تشكّل عبر آلاف السنين من التراكم الحضاري والتفاعل الثقافي، حيث تعاقبت عليها شعوبٌ وحضاراتٌ ولغاتٌ تركت بصماتها العميقة في أرضها وذاكرتها: من الكنعانيين والآراميين، إلى المراحل الهلنستية والرومانية والبيزنطية، وصولًا إلى التحولات الكبرى التي شهدها المشرق في القرن السابع الميلادي، والتي أعادت تشكيل المشهد اللغوي والثقافي في بلاد الشام ضمن مسارٍ تاريخي طويل ومعقّد، لا يمكن اختزاله في لحظة واحدة أو تفسير واحد.
إن هذا التاريخ لم يكن إلغاءً للتنوع، بل إعادة تشكيلٍ له داخل طبقاتٍ متراكمة من الهوية، ظلّت فيها الجغرافيا السورية مساحة تلاقٍ لا مساحة إقصاء، ومجالًا حيًّا لتجاور الثقافات وتداخلها بدل ذوبانها الكامل.
ومن هذا العمق التاريخي، تتكوّن سوريا الحديثة بوصفها فسيفساء بشرية غنية، تضم العرب والكورد والسريان/الآشوريين والأرمن والتركمان وغيرهم، إلى جانب تنوع ديني واسع، شكّل عبر الزمن مصدر قوتها لا سبب تفرّقها، وجعل من هويتها هويةً جامعة لا تُبنى على الإنكار، بل على الاعتراف المتبادل.
إن سوريا التي تستحق الحياة هي سوريا التي تتسع لكل أبنائها، دون إقصاء أو احتكار، وتُعيد الاعتبار لفكرة المواطنة بوصفها أساس الانتماء، لا الهوية الواحدة المغلقة، بل الهوية الجامعة التي تتسع للتعدد وتنهض به.



