خبات شاكر
في الذكرى الواحدة والثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية، لا يكفي أن نتحدث فقط عن سقوط النازية أو انتصار الحلفاء، بل يجب أن نتذكر أيضًا الشعوب الصغيرة التي دفعت ثمن صراعات الإمبراطوريات الكبرى، وكانت ضحية حسابات السياسة الدولية.
ومن بين تلك الشعوب، يقف الشعب الكوردي شاهدًا على واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في التاريخ الحديث: صفحة “جمهورية كوردستانا سور” أو ما عُرف بـ “كوردستان الحمراء”.حين انتصرت الثورة البلشفية بقيادة فلاديمير لينين، بدا للكورد لأول مرة أن نافذة التاريخ قد فُتحت أمامهم.
ففي عشرينيات القرن الماضي، اعترف الاتحاد السوفيتي الوليد بكيان إداري كوردي في منطقة القوقاز، بين أرمينيا وأذربيجان، تحت اسم “كوردستان الحمراء”.
لم يكن ذلك مجرد قرار إداري عابر، بل كان اعترافًا سياسيًا وثقافيًا بوجود شعب اسمه الكورد، له لغته وخصوصيته وحقه في تنظيم نفسه.كانت تلك التجربة، رغم تواضعها، بمثابة بذرة حلم قومي طالما عاش في وجدان الكورد.
مدارس باللغة الكوردية، صحافة ناشئة، وحياة ثقافية بدأت تتنفس بعد قرون من الإنكار والاقتلاع. لأول مرة شعر الكوردي أن هناك دولة، ولو صغيرة، تقول له: “أنت موجود”.لكن التاريخ لا يرحم الأحلام الصغيرة حين تدخل دهاليز الأنظمة الشمولية.جاء جوزيف ستالين، الرجل الذي بنى إمبراطورية الخوف والحديد، ليقضي على تلك التجربة الناشئة.
لم يرَ في الكورد شعبًا يستحق الحياة السياسية، بل رأى فيهم مجرد ورقة جغرافية يمكن التضحية بها من أجل التوازنات مع تركيا وإيران والقوميات الكبرى داخل الاتحاد السوفيتي.
وهكذا أُزيل اسم كوردستان الحمراء، وتم تهجير آلاف الكورد، وتبعثرت أحلامهم بين المنافي والحدود.ربما كانت تلك واحدة من أكبر الجرائم السياسية التي ارتُكبت بحق الشعب الكوردي في القرن العشرين.
لأن ستالين لم يُنهِ مجرد كيان إداري، بل أعدم احتمالًا تاريخيًا كان يمكن أن يغير وجه المنطقة بأكملها.لو استمرت “كوردستانا سور” حتى اليوم، لربما كان واقع الكورد مختلفًا مئة وثمانين درجة. ربما كان للكورد اليوم نموذج قومي ديمقراطي متجذر منذ قرن، وربما كانت فكرة الدولة الكوردية قد تطورت بشكل طبيعي بدل أن تُطارد بالدم والنار في أربع دول.
وربما أيضًا كانت منطقة الشرق الأوسط أقل توترًا، لأن إنكار الشعوب لا يصنع الاستقرار، بل يؤجل الانفجار فقط.ولم تكن “كوردستان الحمراء” وحدها ضحية الحسابات الدولية. فبعد سنوات قليلة، وُلدت جمهورية مهاباد كواحدة من أجمل اللحظات السياسية في التاريخ الكوردي الحديث.
هناك، رفع الكورد علمهم، وغنوا بلغتهم، وحلموا بدولة عادلة تتسع للجميع. لكن المفارقة القاسية أن الاتحاد السوفيتي نفسه، الذي ساهم في ولادة الجمهورية، تركها تواجه مصيرها وحدها عندما تغيّرت مصالحه الدولية. فسقطت مهاباد، وأُعدم قادتها، لكن الحلم لم يُعدم.
الكورد اليوم، بعد كل هذه العقود من الحروب والخذلان، ما زالوا يحلمون بدولة ديمقراطية موحدة، لا تقوم على الانتقام ولا الإقصاء، بل على الشراكة والعدالة وحقوق جميع المكونات.
فالكورد الذين ذاقوا مرارة الإنكار، يدركون أكثر من غيرهم معنى أن يعيش الإنسان حرًا بلغته وهويته وكرامته.إن قيام دولة كوردية ديمقراطية في المستقبل لن يكون خطرًا على الشرق الأوسط كما يروّج البعض، بل قد يكون أحد أركان استقراره الحقيقي. لأن الشعوب التي تحصل على حقوقها تصبح شريكة في بناء السلام، لا وقودًا للحروب.ورغم كل محاولات الصهر والإنكار، لم ينجح أحد في إنهاء الكورد.
تغيرت الإمبراطوريات، سقطت أنظمة، تبدلت خرائط، لكن الكوردي بقي يحمل حلمه كجمرٍ تحت الرماد.
وما دام هناك كوردي واحد يتنفس، فإن فكرة كوردستان ستبقى حية في الوجدان، تنتقل من جيل إلى جيل، لا كدعوة للكراهية، بل كحق طبيعي لشعب يريد أن يعيش حرًا على أرضه.لقد رحل لينين، ومات ستالين، وسقط الاتحاد السوفيتي نفسه، لكن الحلم الكوردي ما زال حيًا… وتلك وحدها مفارقة التاريخ الكبرى.



