خبات شاكر
في الحروب الطويلة لا يكون الأسرى مجرد أرقام تُتلى في نشرات الأخبار، بل يتحولون إلى ذاكرة حيّة للوجع، وإلى مرآة تكشف مقدار إنسانية المتحاربين أو سقوطهم الأخلاقي.
وفي سورية، بعد أكثر من عقد من الدم والخراب والانقسامات، تبدو قضية أسرى الحرب بين الحكومة المؤقتة وقوات الكورد في روجآفا واحدة من أكثر الملفات حساسية، لأنها لا تتعلق فقط بحرية أفراد، بل بمستقبل فكرة التعايش نفسها.إن وصول عدد المفرج عنهم إلى أكثر من 1523 أسيراً من الطرفين، مع بقاء أكثر من 200 شخص قيد الاحتجاز، ليس حدثاً تقنياً في مسار تفاوضي عابر، بل اختبار حقيقي لنية الأطراف في الانتقال من زمن الحرب إلى زمن الدولة.
فالدول لا تُبنى فوق السجون المفتوحة، ولا فوق الأحقاد المؤجلة، ولا فوق ذاكرة الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن خلف أبواب المعتقلات.
لقد تعبت سورية من لغة الثأر. تعبت من تحويل الإنسان إلى “ورقة تفاوض”، ومن استخدام المعتقلين والأسرى كأدوات ضغط سياسية وعسكرية. وما تحتاجه البلاد اليوم ليس فقط تبادل الأسرى، بل تحرير العقل السوري من ثقافة الإلغاء والانتقام.الكورد في روجآفا، مثلهم مثل بقية المكونات السورية، دفعوا ثمناً باهظاً في هذه الحرب؛ آلاف الشهداء، مدن مدمرة، وأجيال تربت وسط أصوات الطائرات والسلاح.
ومع ذلك، فإن أي مشروع لبناء سورية جديدة لن ينجح إذا استمرت بعض القوى في النظر إلى الكورد كـ “ملف أمني” بدل الاعتراف بهم كشعب أصيل وشريك كامل في الوطن والتاريخ والمستقبل.
إن إطلاق سراح جميع الأسرى بأسرع وقت ممكن يجب أن يكون خطوة أولى نحو مصالحة وطنية حقيقية، لا مجرد إجراء شكلي لامتصاص الضغوط. فالمصالحة لا تعني أن ينسى السوريون آلامهم، بل أن يتفقوا على ألا يعيدوا إنتاجها.
وهذا يتطلب من الحكومة المؤقتة، قبل غيرها، أن تثبت عملياً احترامها لحقوق جميع مكونات سورية، وعلى رأسها الشعب الكوردي، عبر لغة سياسية جديدة تعترف بالتنوع بدل إنكاره.فسورية التي نحلم بها لا يمكن أن تُدار بعقلية الغالب والمغلوب.
سورية القادمة يجب أن تكون عقداً اجتماعياً جديداً، حضارياً، ديمقراطياً، يليق بفسيفساء هذا البلد؛ بالعرب والكورد والسريان والآشوريين والتركمان، بالمسلمين والمسيحيين والإيزيديين، بكل من بقي يحمل فكرة الوطن رغم الخراب.إن إطلاق الأسرى ليس نهاية الحرب فقط، بل بداية امتحان أخلاقي كبير:هل يريد السوريون حقاً العيش معاً بعد كل هذا الدم؟
أم أن الجميع ما زال ينتظر حرباً أخرى مؤجلة؟في تجارب الشعوب الخارجة من النزاعات، كانت لحظة الإفراج عن الأسرى دائماً لحظة رمزية تعلن أن الإنسان أهم من البندقية، وأن الوطن أكبر من المتاريس.
لهذا فإن أي تأخير في إغلاق هذا الملف سيبقي الجرح السوري مفتوحاً، وسيزرع الشك في قلوب الناس تجاه أي حديث عن العدالة أو الوحدة الوطنية.
سورية الجديدة لن تُبنى بالقوة العسكرية وحدها، بل بالشجاعة السياسية أيضاً؛ شجاعة الاعتراف بالأخطاء، واحترام كرامة الإنسان، وفتح أبواب المستقبل أمام الجميع دون استثناء.
وحين يعود آخر أسير إلى أمه… ربما تبدأ سورية أخيراً بالعودة إلى نفسها.




