مقالات

يافطة اللغة الكردية حينما تقض مضاجع سلطة الأمر الواقع والمؤقتة

مشاركة

محمد أرسلان علي

تدخل سوريا اليوم منعطفاً تاريخياً شديد التعقيد، يتسم بمحاولات إعادة ترتيب الأوراق وتثبيت دعائم حكم جديد في دمشق برئاسة أحمد الشرع رئيس السلطة المؤقتة.

وفي ظل هذه التحولات، تبرز العلاقة بين الحكومة المؤقتة الجديدة والقوى الكردية (وعلى رأسها قوات سوريا الديمقراطية) كأحد أهم التحديات التي ستحدد شكل مستقبل البلاد.

وعلى الرغم من توقيع اتفاقيات تسوية، إلا أن الممارسة على أرض الواقع تكشف عن هوة سحيقة بين براغماتية السياسة والجمود الأيديولوجي، مما يضع الكرد مرة أخرى أمام تحدي مواجهة عقليات إقصائية تتلون بأسماء مختلفة، لكنها تتفق في جوهرها على رفض الآخر.

لا يمكن قراءة المشهد السوري الحالي بمعزل عن التوازنات الإقليمية والدولية التي فرضت واقعاً سياسياً وعسكرياً جديداً، أفضى إلى صعود قوى ذات جذور راديكالية إسلاموية وقومية عروبية إلى سدة الحكم.

المشكلة العميقة لا تكمن فقط في الخلفية التاريخية لبعض الفصائل التي انضوت تحت لواء هذا الحكم، بل في استمرار “العقلية” التي تدير بها مؤسسات الدولة ومناطق النفوذ.هذه العقلية الإقصائية تجد صعوبة بالغة في تقبل “الآخر” الكردي كشريك أصيل في الوطن، وتلجأ بدلاً من ذلك إلى المماطلة السياسية.

ويتجلى ذلك بوضوح في التسويف المستمر في تنفيذ بنود الاتفاقيات المبرمة، وخاصة فيما يتعلق بملف الأسرى الكرد، وهو ما يعكس غياب النوايا الحقيقية لبناء ثقة متبادلة أو التأسيس لسلام مستدام.

وبات الكرد يعيشون في متلازمة “الهلالين”، من التعريب إلى الإلغاء الثقافي واللغوي. ولعل أكثر ما يثير القلق في المرحلة الراهنة هو تكرار التاريخ لنفسه بوجوه جديدة.

يعيش الكرد اليوم مجازياً وواقعياً “بين فكي هلالين”، في استنساخ لسياسات الإبادة الثقافية والتهميش القومي:محمد طلب هلال (الماضي التأسيسي للإقصاء)، الضابط البعثي الذي أسس في الستينيات لمنهجية التعريب الممنهج (الحزام العربي) في شمال شرق سوريا، عبر دراسته سيئة الصيت التي دعت إلى تغيير ديموغرافي وتذويب الهوية الكردية. لقد مثّل هذا “الهلال” الأول ذروة القومجية العروبية الشوفينية.

أما أحمد هلال (الحاضر المستمر للإقصاء)، المبعوث الحالي للحكومة الجديدة إلى المناطق الكردية، والذي يعيد إنتاج ذات السياسات عبر رفضه تثبيت اللغة الكردية على اللافتات الرسمية للمؤسسات. هذا السلوك ليس مجرد إجراء إداري، بل هو امتداد لذات العقلية التي تعتبر التنوع اللغوي والثقافي تهديداً، وتستخدم السلطة كأداة للمحو الثقافي.

هذا التشابه يثبت أن تغيير الأنظمة أو الشعارات (من القومية البعثية إلى الإسلاموية السياسية) لم يغير من الجوهر الإقصائي والديكتاتوري للسلطة المركزية تجاه الكرد.

تعتبر النظرة إلى المرأة ومشاركتها نقطة الصدام الحضاري الأبرز بين النموذجين المطروحين على الساحة السورية. التباين هنا ليس سياسياً فحسب، بل هو تناقض وجودي واجتماعي يحدد شكل المجتمع القادم.

ففي حين تتبنى العقلية الحاكمة الجديدة نظرة تقليدية تُشيّئ المرأة وتختزل دورها في الإطار المنزلي والإنجابي، قاصية إياها عن الفضاء العام ومراكز القرار، يقدم النموذج الكردي مقاربة نقيضة تماماً.

لقد أثبتت التجربة الكردية في شمال وشرق سوريا انتهاجاً لسلوك ديمقراطي حقيقي يجعل من المرأة إنسانة فاعلة، شريكة في السياسة، ومقاتلة في صفوف القوات العسكرية التي دحرت أعتى التنظيمات الإرهابية.

هذا النموذج التحرري يشكل بحد ذاته “تهديداً أيديولوجياً” للعقليات المنغلقة التي لا تستطيع استيعاب فكرة المرأة الحرة والقيادية.

أمام هذه التحديات، يجب على صناع القرار في دمشق والعواصم الإقليمية إدراك حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها؛ وهي أنه لم يعد الكرد مجرد أقلية يمكن تهميشها أو قمعها بقرارات إدارية أو عسكرية.

لقد تحول الكرد إلى “بيضة القبان” في معادلة الاستقرار، ليس فقط في سوريا، بل في المنطقة بأكملها، وذلك لعدة اعتبارات:

1. الشرعية الميدانية: القوة العسكرية والتنظيمية التي يمتلكونها، والتي أثبتت فعاليتها في القضاء على الإرهاب.

2. النموذج الإداري: قدرتهم على طرح نموذج تعايش سلمي يعترف بالتعددية (العرقية والدينية) في منطقة تعاني من الاستقطاب.

3. *الوزن الجيوسياسي: ارتباط قضيتهم بتوازنات القوى الدولية والإقليمية المتداخلة في الجغرافيا السورية.لا يمكن لأي حكومة في دمشق، أياً كان توجهها أو من يترأسها، أن تنجح في بناء “سوريا الجديدة” عبر إعادة إنتاج سياسات محمد طلب هلال بأدوات أحمد هلال.

عقلية الإقصاء ورفض الآخر هي وصفة لاستدامة الحرب الأهلية وتفتيت الجغرافيا. الاندماج الوطني الحقيقي لا يعني صهر المكونات وإلغاء هوياتها، بل يعني الاعتراف الدستوري والعملي بالتعددية الثقافية والسياسية، واحترام حقوق الإنسان والمساواة الجندرية.

دون ذلك، ستبقى سوريا أسيرة دائرة مفرغة من العنف، وسيبقى الكرد الرقم الصعب الذي يحدد بوصلة الاستقرار أو الفوضى في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى