آفرين علو ـ xeber24.net
كشف تقرير تحليلي جديد عن أبعاد ممنهجة لعملية إعادة هندسة ديموغرافية في المناطق الكردية السورية، تتجاوز آثار القنابل والحروب لتشمل “الصمت الرسمي” و”الخطابات التي تصف الكارثة الإنسانية بلغة الاستقرار والعودة الطوعية”.
فما يجري في مناطق مثل عفرين وسري كانيه وتل أبيض ليس مجرد أزمة لجوء كلاسيكية، بل هو إعادة رسم متعمدة لجغرافيا السكان في منطقة ذات حساسية استراتيجية بالغة.يرى المحللون أن استخدام مصطلح “العودة الطوعية” يفترض مسبقاً وجود ظروف مواتية تجعل العودة خياراً حقيقياً، لكن المعطيات الميدانية تروي قصة مختلفة تماماً.
فعشرات الآلاف من الأسر الكردية النازحة تقطن اليوم في مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة، بينما تحتل منازلها المنهوبة أو المهدّمة عائلات تم جلبها من مناطق أخرى، في ما يعرف بـ”عملية الاستبدال السكاني”.
وفي هذا السياق، قال إبراهيم شيخو، مدير منظمة حقوق الإنسان في عفرين: “تركيا حاولت مراراً ضم الأراضي السورية، فشنت عدواناً على عفرين دمّرت خلاله البنية التحتية، واستهدفت المدنيين، وارتكبت جرائم حرب، واحتلت المنطقة بعد 58 يوماً من المقاومة، وسط صمت المجتمع الدولي وتخاذل الحكومة السورية”.
وأضاف شيخو: “تركيا تحاول الآن تغيير ديموغرافية المنطقة من خلال فرض اللغة التركية في التعليم والثقافة، ورفع صور الرئيس التركي على المنشآت الرسمية، وفرض العملة التركية في عفرين، وتوطين العرب والتركمان الذين وصلت أعدادهم إلى أكثر من 700 ألف نسمة مقابل تهجير 325 ألف كردي”.
كشف شيخو أن الغاية الأساسية من هذه السياسات هي “التغيير الديموغرافي وضم عفرين إلى لواء إسكندرون”، مشيراً إلى أنه “تم فتح معبر خاضع للسيادة التركية”، فيما تواصل تركيا محاولاتها طمس الهوية القومية للمدينة.
منذ عمليتي “غصن الزيتون” (2018) و”نبع السلام” (2019)، أسفرت العمليات العسكرية التركية عن نزوح جماعي للسكان، لكن الأخطر – وفق التقرير – هو ما تبعها من إدارة ميليشياوية للمناطق المحتلة، شكّلت البنية التحتية لتغيير ديموغرافي دائم، شمل إعادة تسمية شوارع ومدن وقرى بأسماء تركية، وإدراج المناطق في مناهج تعليمية ترفع صور الرئيس التركي وتدرّس التاريخ “بلغة المنتصر”.
من جهته، أكد صلاح الدين مسلم، رئيس مجلة الشرق الأوسط الديمقراطي أن “التهجير القسري الذي تعرّض له سكان عفرين، ومعظمهم من الكرد، لم يكن نتيجة عارضة للحرب، بل كان جزءاً من خطة مدروسة لتفريغ المدينة من سكانها الأصليين”.
وقال مسلم: “أُجبرت آلاف العوائل الكردية على مغادرة منازلها تحت وطأة القصف والتهديد والانتهاكات المستمرة، ليجدوا أنفسهم في مناطق أخرى من سوريا، مثل ريف حلب الشمالي، أو في مخيمات النزوح التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة، تزامناً مع توطين عائلات من مناطق أخرى، خصوصاً من الغوطة الشرقية وحمص، في منازل المهجرين، ضمن سياسة إحلال سكاني واضحة المعالم”.
فالمشهد السياسي السوري الجديد، رغم تبنيه لغة الوحدة الوطنية والشاملية، يظل “قاصراً في تقديم ضمانات حقيقية للمكون الكردي المهجّر”، وسط غياب الاعتراف الصريح بالتهجير القسري كجريمة، وغياب أي آلية قانونية واضحة لاسترداد الممتلكات.
إلى أن الوهم الأكبر هو الاعتقاد بأن هذه الأوضاع ستحل نفسها بمجرد استقرار الوضع الأمني العام، فكل يوم يمر دون حل قانوني حقيقي يُعمّق جذور الوقائع الجديدة على الأرض، ويُصعّب مستقبلاً أي حل يقوم على العدالة الترميمية.
ولا يمكن بناء سوريا مستقرة فوق ذاكرة مهجّريها المصادرة، وأنه يجب الاعتراف بالهندسة الديموغرافية كجريمة، وبناء آليات عدالة انتقالية حقيقية، كشرطين لأي مشروع وطني سوري يريد أن يكون أكثر من مجرد سلطة جديدة قائمة على خراب قديم.




