مجموع

الرقة “تُباع” لأهلها.. رسوم إعمار خيالية تحول العودة إلى حلم مستحيل

مشاركة

آفرين علو ـ xeber24.net

في مدينةٍ أنهكها الدمار وتآكلت فيها تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد الحلم بالعودة إلى الرقة مسألة وقت، بل تحول إلى معادلة مالية قاسية تُقصي الفقراء وتمنح المكان لمن يملك ثمنه، فيما يُدفع السكان الأصليون نحو الهامش بصمت موجع ومتواصل.

وكشفت المعطيات أن كلفة رخصة البناء السكني في المدينة تقترب من 24 ألف دولار، بينما تصل الرخصة التجارية إلى نحو 67 ألفاً، وهي أرقام تعكس بحسب مراقبين قطيعة كاملة مع الواقع المعيشي لسكان مدينة أنهكتها الحروب والنزوح.

يقول المحلل الاقتصادي عبد الله أحمد: “هذه المبالغ لا تعكس مجرد خلل في التسعير، بل تشير إلى قطيعة كاملة مع الواقع المعيشي. من يعيش في الرقة اليوم يعرف أن هذه المبالغ ليست بعيدة المنال فحسب، بل مستحيلة.

دخل شبه معدوم، فرص عمل نادرة، وحياة يومية تُبنى على الحد الأدنى من البقاء”.وفي هذا السياق، تبدو هذه الرسوم وكأنها “قرار مقصود لإقصاء الناس، لا لتنظيم البناء”، وفق تعبيره.

النتيجة، كما يصفها مراقبون، أن المدينة لا تُبنى بل تُفرّغ، والبيوت لا تُرمّم بل تُترك لتنهار ببطء. من يملك القدرة يدفع ويستقر، ومن لا يملك يُدفع خارج المشهد، ليتحول الانتماء إلى عبء، والجذور إلى مشكلة، والعودة إلى امتياز محصور بطبقة محدودة.

ويحذر ناشطون محليون من أن هذا الواقع لا يُنتج فقط أزمة سكن، بل يعيد تشكيل المجتمع نفسه. فعندما يُجبر الناس على مغادرة مدينتهم لأنهم لا يستطيعون دفع ثمن البقاء، فإننا أمام “تهجير اقتصادي قاسٍ” لا يقل أثراً عن أي شكل آخر من أشكال الإقصاء، مع فارق أنه يحدث بهدوء وبدون ضجيج.وليس من الصعب ملاحظة النتيجة الميدانية: البناء النظامي يتراجع، بينما تنتشر العشوائيات كخيار قسري للسكان العاجزين عن دفع الرسوم. وهذا بحد ذاته، وفق متابعين، إدانة واضحة لهذه السياسات.

ويلفت المراقبون إلى أن هذه الرسوم تُفرض دون أي مراعاة لخصوصية المدينة المنكوبة: لا إعفاءات، لا تخفيضات، ولا خطط دعم حقيقية، وكأن المطلوب من السكان أن يبدأوا من الصفر لكن بشروط لا يقدر عليها إلا من لم يعش معاناتهم.

ويطرح مراقبون سؤالاً محورياً: من المستفيد من هذا الواقع؟ حين تُفرض أرقام بهذا الحجم في بيئة عاجزة عن تحملها، فإن ذلك يفتح الباب أمام احتمالات خطيرة تشمل الاحتكار والمضاربات والاستحواذ التدريجي على المدينة من قبل قلة قادرة على الدفع.وبذلك، كما يحذرون، ما يحدث ليس إعادة إعمار، بل “إعادة تشكيل قسرية للمدينة”، تُبنى وفق قدرة الدفع لا وفق حق الانتماء، وهو ما يخلق مجتمعاً منقسماً وفجوة طبقية حادة وشعوراً متراكماً بالظلم.

ويختتم المحللون تقييمهم بالقول إن “الاستمرار في هذه السياسات لن يؤدي إلى إعادة إعمار، بل إلى تفريغ المدينة من روحها. قد تُبنى الجدران، لكن من دون الناس، لن تكون هناك مدينة حقيقية”.

وطالب ناشطون وسكان الجهات المعنية بإجراء مراجعة جذرية تشمل تخفيض الرسوم، ووضع برامج دعم حقيقية، وإيجاد حلول واقعية تتناسب مع قدرة السكان، محذرين من أن “المدينة التي تُباع لأهلها تفقد معناها، مهما ارتفعت فيها الأبنية”..د

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى