مجموعمقالات

قرجوخ… حين يكتب الجبل سيرة الدم ويوقّعها الشهداء

مشاركة

في الذكرى التاسعة لجرحٍ لم يلتئم، يقف جبل قرجوخ شاهدًا لا يشيخ، كأن الصخور تحفظ أسماء الذين مرّوا منها إلى الخلود، وكأن الريح التي تعبر قمّته لا تزال تحمل أصواتهم…

٢٥ نيسان ليس تاريخًا عابرًا، بل ذاكرة مفتوحة على وجعٍ كرديٍّ عميق، وعلى سؤالٍ سياسيٍّ لم يُغلق بعد: لماذا يُستهدف من يقاتل الإرهاب؟في ٢٥ نيسان/أبريل ٢٠١٧، لم يكن القصف مجرد غارة عسكرية، بل لحظة انكشاف في ميزان المصالح الإقليمية.

حين استهدفت الطائرات الحربية التركية جبل قرجوخ، كانت تضرب مقرًّا عسكريًا وإعلاميًا لوحدات حماية الشعب (ي ب ك) ووحدات حماية المرأة (ي ب ز)، لكنها في العمق كانت تضرب رمزًا لصعود تجربة روجافا في لحظة كانت فيها هذه القوات تخوض معارك شرسة ضد تنظيم داعش.

سقط نحو عشرين شهيدًا، بينهم مقاتلون ومقاتلات وصحفيون، لكن ما سقط فعليًا في تلك اللحظة هو وهمُ أن الحرب ضد الإرهاب تسير وفق معايير أخلاقية واضحة.

لقد كشفت قرجوخ أن الجغرافيا السياسية لا تعترف كثيرًا بتضحيات الشعوب، وأن من يصنع النصر في الميدان قد يُستهدف في لحظة صمت دولي ثقيل.

سياسيًا، جاءت الضربة في توقيت حسّاس: بعد أن بدأت ملامح هزيمة داعش بالظهور، ومع صعود دور القوى الكردية كشريك ميداني في الحرب الدولية على الإرهاب.

لذلك، لم يكن القصف مجرد رسالة عسكرية، بل رسالة سياسية مزدوجة: كبح صعود الكرد من جهة، وإعادة رسم خطوط النفوذ في شمال سوريا من جهة أخرى.

لكن قرجوخ لم يتحول إلى نهاية… بل إلى بداية سردية جديدة.تحوّل الجبل إلى ذاكرة حيّة، وصار الشهداء مرآةً لمرحلة كاملة من الصراع.

كل عام، حين يتجه الأهالي والمقاتلون إلى قمته، لا يذهبون فقط لإحياء ذكرى، بل لتجديد معنى: أن الدم الذي سُفك هناك لم يكن حدثًا عابرًا، بل تأسيسًا لوعيٍ سياسيٍّ جديد، يرى في الشهادة استمرارًا للحياة لا نهايتها.

وفي الذكرى التاسعة، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا:التهديدات مستمرة، والتحولات الإقليمية لا تهدأ، لكن في المقابل هناك إصرار واضح على تثبيت المكتسبات والسير نحو صياغة حل سياسي يضمن الحقوق. وهنا، تبرز قرجوخ كرمز مزدوج: رمز الألم، ورمز الاستمرار.

وما بين الدم والسياسة، تبقى الكلمة الأخيرة للشهداء…

مرّوا كنسمةٍ فوق تراب البلاد،لكنهم تركوا في القلب عاصفة…

لم يمت من صار للوطن عنوانًا، بل نحن من نحيا بهم… كلما ضاقت المسافة.

يا قرجوخ، يا جبلًا لا ينحني

علّمنا كيف يكون الصمودُ قدرًا

وكيف يُكتب الوطن…

حين يكون الحبر دمًا.

إن ذكرى شهداء قرجوخ ليست فقط مناسبة للبكاء أو التمجيد، بل لحظة تأمل سياسي عميق: كيف يمكن تحويل التضحيات إلى مشروع؟ وكيف يمكن أن تتحول الذاكرة إلى قوة تفاوض، لا مجرد سردية ألم؟في النهاية، لا تزال قرجوخ تقول كلمتها كل عام:إن الشعوب التي تحفظ أسماء شهدائها، لا تضيع… حتى لو تأخر العدل.

خبات شاكر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى