خالد حسو
في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ المنطقة، ومع تسارع التحولات الجيوسياسية العميقة التي تطال سوريا والعراق وتركيا وإيران، تتزايد الحاجة الموضوعية إلى مبادرة كوردية جامعة تعيد تنظيم البنية السياسية الداخلية على أسس مؤسساتية واضحة، وتستجيب لمتطلبات الواقع السياسي المتغير .
وانطلاقًا من ذلك، يبرز بوضوح مطلب عقد مؤتمر قومي ديمقراطي كوردي شامل في كوردستان سوريا، ليس باعتباره فعالية ظرفية، بل بوصفه استحقاقًا سياسيًا-تأسيسيًا يهدف إلى إعادة بناء القرار السياسي الكوردي على أسس التمثيل الشرعي، وتوحيد الإرادة السياسية ضمن إطار وطني جامع يعكس تطلعات الشعب الكوردي في مختلف مكوناته.
إن جوهر هذه الدعوة يقوم على تجاوز حالة التشتت والانقسام السياسي، والانتقال إلى بلورة رؤية استراتيجية مشتركة، تُفضي إلى تأسيس مرجعية سياسية وطنية ديمقراطية، تتمتع بالشرعية التمثيلية، وتكون قادرة على التعبير عن الإرادة الجمعية، وصياغة موقف سياسي كوردي موحد ومنسجم .
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تشكيل مرجعية قومية سياسية ديمقراطية دائمة وثابتة، تتمتع بالشرعية التمثيلية، وتكون الإطار الأعلى الجامع للإرادة السياسية الكوردية.
على أن تُبنى هذه المرجعية على أساس نظام داخلي واضح ومُقرّ ديمقراطيًا، يحدد آليات العمل، وشروط العضوية، وصلاحيات الهيئات المختلفة، بما يضمن الشفافية والمساءلة والتجدد المؤسسي.
كما تُعتمد لها رؤية سياسية وبرنامج وطني استراتيجي وأهداف ثابتة ومعلنة، تشكل الإطار المرجعي العام للقرار السياسي الكوردي، وتكون الجهة المخولة بتمثيل الموقف السياسي الكوردي داخليًا وخارجيًا، وبما يجعلها اللبنة الأساسية والبنية التأسيسية للعمل السياسي الكوردي المشترك .
ومن منظور سياسي وقانوني، فإن نجاح أي مسار من هذا النوع يستند إلى مبدأ المشاركة الشاملة، والتمثيل المتوازن، والاعتراف بالتنوع السياسي والفكري داخل المجتمع الكوردي وإدارته ديمقراطيًا بما يضمن عدم الإقصاء، مع الحفاظ على إمكانية بناء موقف وطني مشترك عند التوافق، وبما يعزز المسؤولية الجماعية ويقدم المصلحة العامة على المصالح الضيقة .
وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد من الممكن التعامل مع التحديات الراهنة عبر ردود فعل مجزأة أو غير منسقة، بل بات من الضروري بلورة موقف سياسي موحد يستند إلى رؤية استراتيجية واضحة، ويعكس حجم التحديات البنيوية التي تواجه القضية الكوردية .
وفي هذا الإطار، يبرز سؤال جوهري يتطلب نقاشًا وطنيًا مسؤولًا وشفافًا: ما هو الشكل السياسي الذي يعكس الإرادة الحرة للشعب الكوردي ويضمن حقوقه المشروعة وفق المعايير الدولية؟هل يتمثل ذلك في الانفصال، أم الاستقلال، أم النظام الفيدرالي الديمقراطي ضمن دولة تعددية، أم الكونفدرالية، أم صيغة الحكم الذاتي الموسّع؟
إن هذه الخيارات جميعها تُعد موضوعًا مشروعًا للنقاش الديمقراطي، شريطة أن تُطرح ضمن إطار الإرادة الشعبية الحرة، وبعيدًا عن الإملاءات الخارجية، وبما ينسجم مع مبادئ القانون الدولي، وفي مقدمتها حق تقرير المصير.
وعليه، فإن المؤتمر القومي الكوردي الجامع يُفترض أن يشكل نقطة تحول استراتيجية تؤسس لمرحلة جديدة عبر:صياغة مشروع قومي سياسي متكامل على أسس علمية ومؤسساتية واضحة.توحيد الخطاب والموقف السياسي بما يعزز وحدة القرار والاستراتيجية.
فتح مسار حوار وطني منظم ومسؤول مع الأطراف المعنية للوصول إلى حلول عادلة وسلمية ودائمة.تنظيم العلاقات السياسية على أساس الاحترام المتبادل، والاعتراف بالتنوع، والتعايش بين جميع المكونات القومية والدينية والثقافية.
إن ما تتطلبه المرحلة لا يقتصر على توافقات ظرفية، بل يستوجب تأسيس بنية سياسية مستدامة قادرة على الاستمرار والتطور ومواكبة التحولات الإقليمية والدولية ضمن إطار مؤسساتي واضح .
ويُفترض أن يشمل هذا المؤتمر جميع القوى والشخصيات التي تؤمن بعدالة القضية الكوردية وتضعها في صلب أولوياتها، إضافة إلى مشاركة النخب الفكرية والثقافية المستقلة من مختلف التخصصات، ولا سيما النخب القانونية والتاريخية والسياسية، لما لها من دور أساسي في تعميق النقاش وتوسيع الرؤية وصياغة الأسس الفكرية للمشروع السياسي .
وبناء على ما سبق، تبقى المسؤولية جماعية وتاريخية، والرهان الحقيقي في القدرة على الانتقال من التشتت إلى التنظيم، ومن رد الفعل إلى الفعل السياسي الواعي، بما ينسجم مع تطلعات الشعب الكوردي وحقه في تقرير مصيره ضمن إطار سلمي وديمقراطي.




