خالد حسو
تمرّ المنطقة اليوم بمرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية بشكل غير مسبوق، وتبرز تركيا كواحدة من أكثر الدول قلقًا من مآلات هذا المشهد المضطرب. هذا القلق لا ينبع فقط من تطورات خارجية مرتبطة بإيران أو التصعيد الدولي، بل يرتبط بشكل مباشر ببنية الدولة التركية نفسها وتركيبتها الداخلية المعقدة .
تركيا، التي قامت على تاريخ مثقل بالصراعات والتوسعات، ما تزال تتحرك بعقلية أمنية قائمة على هاجس التفكك الداخلي. هذا الهاجس ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لسياسات طويلة تعاملت مع التنوع القومي والثقافي داخل الدولة باعتباره تحديًا أمنيًا، لا واقعًا طبيعيًا ينبغي استيعابه. ومن هنا، يمكن فهم جانب كبير من السلوك التركي في الإقليم .
فعلى المستوى التاريخي، لا يمكن تجاهل أن تركيا كانت طرفًا في أحداث مفصلية تركت آثارًا عميقة في ذاكرة شعوب المنطقة، سواء ما يتعلق بالمآسي التي تعرّض لها الأرمن، أو الصراعات مع اليونان، أو ضم مناطق متنازع عليها مثل لواء إسكندرون. هذه الوقائع، بغض النظر عن الروايات الرسمية المختلفة حولها، ساهمت في تشكيل حالة من انعدام الثقة تجاه الدور التركي لدى عدد من الشعوب المجاورة .
أما في الحاضر، فإن القضية الكوردية تظل العامل الأكثر حساسية وتأثيرًا في رسم السياسات التركية. فتركيا تنظر إلى أي تطور سياسي أو إداري يمنح الكورد قدرًا من الاستقلال أو الحكم الذاتي، سواء في سوريا أو العراق أو إيران، على أنه تهديد مباشر لوحدة أراضيها. ولذلك، فإن تحركاتها العسكرية والسياسية في المنطقة غالبًا ما تكون مدفوعة بهذا الهاجس تحديدًا، وتسعى إلى منع نشوء أي كيان كوردستاني يمكن أن يشكل نموذجًا أو مصدر إلهام داخل حدودها .
وفيما يتعلق بإيران، فإن تركيا لا تبدو معنية كثيرًا بشكل النظام القائم بقدر ما تهتم بنتائج أي تغيير محتمل. فاحتمال تفكك إيران أو ضعفها قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل الخريطة السياسية، وهو سيناريو يحمل في طياته فرصًا ومخاطر في آن واحد. إلا أن المقاربة التركية، كما يراها كثيرون، لا تضع أولوية حقيقية لمسألة وحدة الدول بقدر ما تركز على منع أي نتيجة قد تمنح الكورد حقهم في تقرير المصير أو تفتح الباب أمام قيام دولة كوردية، وهو ما يُعد خطًا أحمر في العقيدة السياسية التركية .
ومن جهة أخرى، يظهر التناقض بوضوح في السياسة التركية تجاه قضايا المنطقة، خصوصًا في تعاملها مع العرب وإيران من جهة، وعلاقتها مع إسرائيل من جهة أخرى. فتركيا تُعد من أوائل الدول في المنطقة التي أقامت علاقات سياسية واقتصادية مع إسرائيل، وكانت من السبّاقة إلى الاعتراف بها وفتح قنوات دبلوماسية معها. هذا النهج يعكس براغماتية واضحة، حيث تُقدَّم المصالح الاستراتيجية والاقتصادية على الشعارات السياسية المعلنة .
وفي هذا السياق، يرى كثير من المراقبين أن الموقف التركي من القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، يتسم بازدواجية واضحة؛ إذ يجمع بين خطاب سياسي داعم، وممارسة واقعية تحافظ على علاقات متقدمة مع إسرائيل. وهو ما يثير تساؤلات حول مدى توظيف هذه القضايا ضمن إطار المصالح السياسية والاقتصادية، أكثر من كونها التزامًا مبدئيًا ثابتًا .
كما أن السياسات التركية خلال السنوات الأخيرة أدت إلى توترات متكررة مع عدة دول وشعوب في المنطقة، بما في ذلك محيطها العربي، إضافة إلى علاقاتها المعقدة مع اليونان وأطراف أخرى. ويشير منتقدون إلى أن هذا النهج يعكس نمطًا من السياسات التي تثير حساسيات تاريخية وتعمّق فجوات الثقة، بدلًا من بناء شراكات مستقرة ومتوازنة .
في المحصلة، تعكس السياسة التركية في المنطقة مزيجًا من الهواجس الداخلية، والطموحات الإقليمية، والبراغماتية العالية في إدارة العلاقات الدولية. وبينما تتجه المنطقة نحو تحولات كبرى، ستبقى تركيا لاعبًا رئيسيًا يحاول منع أي مسار قد يؤدي إلى إعادة طرح قضية تقرير المصير للكورد، حتى لو جاء ذلك في سياق تحولات أوسع قد تشمل تغييرات جذرية في خريطة المنطقة .




