خالد حسو
في مفترق سوريا التاريخي اليوم، تتقاطع الحقوق القومية للشعب الكوردي مع مستقبل الدولة بأكملها. ق
قضية الكورد ليست مطلبًا فرعيًا أو جانبيًا، بل جزء أساسي من بناء سوريا ديمقراطية تعددية تحترم حقوق الإنسان وتضمن المساواة بين جميع مكوناتها.
هذا النص يقدم رؤية قانونية ودستورية واضحة، ترتكز على مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتوازن بين حق تقرير المصير الداخلي للكورد، ووحدة الدولة، وضمان العدالة لجميع المواطنين، بصياغة سياسية وأكاديمية محايدة وموضوعية.
في مثل هذا اليوم من العام المنصرم، كتبت هذا النص استجابةً لدعوة كريمة من موقع «ولاتي مه» (Welatê Me) للمشاركة في ملف خاص حول مستقبل الكورد في سوريا، وسبل وحدة الموقف الكوردي، وطبيعة نظام الحكم الذي يضمن حقوق الكورد وباقي مكونات الشعب السوري. جاءت الدعوة في إطار مساهمات فكرية تهدف إلى فتح نقاش وطني مسؤول حول هذه القضايا المفصلية في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.
كنت أعتقد آنذاك أنني قد أرسلت المادة إلى إدارة الموقع، غير أنني لأسباب تقنية لم أتمكن من إيصالها حينها.
وانطلاقًا من الاحترام والتقدير لموقع «ولاتي مه» في إثراء الحوار الوطني، أنشر النص اليوم كما كُتب في حينه، محافظًا على مضمونه ورؤيته الأساسية.
رسالتهم:الأستاذ خالد حسو المحترمتحية طيبة،
دعوة للمشاركة في ملف (ولاتي مه) حول مستقبل الكورد في سوريا، وسبل وحدة الموقف الكردي، وطبيعة نظام الحكم الذي يضمن حقوق الكورد وباقي مكونات الشعب السوري.
ملف «ولاتي مه»: حول مستقبل الكورد في سوريا، وسبل وحدة الموقف الكردي، وطبيعة نظام الحكم الذي يضمن حقوق الكورد وباقي مكونات الشعب السوري.تشهد سوريا مرحلة مفصلية في تاريخها الحديث، حيث تتقاطع التحولات الداخلية مع المتغيرات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يفرض إعادة التفكير في طبيعة الدولة ونظام الحكم والعقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين مكوناتها القومية والدينية والثقافية. وفي هذا السياق، تبرز القضية الكوردية بوصفها قضية حقوق إنسان وحقوق قومية مشروعة، وليست مسألة طارئة أو مطلبًا سياسيًا عابرًا.
إن مقاربة مستقبل الكورد في سوريا يجب أن تنطلق من أسس قانونية ودستورية واضحة، تستند إلى مبادئ القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين لعام 1966، التي تقر بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وتؤكد على مبدأ المساواة وعدم التمييز، وحق جميع الشعوب في اختيار نظامها السياسي وضمان مشاركتها الفاعلة في إدارة شؤونها العامة.
في هذا الإطار، تمثل الحقوق القومية للشعب الكوردي — بما في ذلك الاعتراف الدستوري الصريح بهويته، وضمان استخدام اللغة الكوردية رسميًا، وإدارة شؤونه المحلية في المناطق الكوردية التاريخية، وصون ثقافته وتراثه — حقوقًا مشروعة تتوافق مع المعايير الدولية، ولا تتعارض مع وحدة الدولة إذا نُظّمت ضمن نظام دستوري ديمقراطي يكرّس التعددية بوصفها حقيقة اجتماعية وتاريخية.
إن إقامة نظام لا مركزي فيدرالي ضمن دولة سورية موحدة يمثل صيغة عقلانية لمعالجة الاختلالات البنيوية الناتجة عن المركزية الشديدة لعقود طويلة.
الفيدرالية ليست تقسيمًا، بل آلية دستورية لتوزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم بما يوازن بين وحدة الدولة وحق المكونات في إدارة شؤونها الداخلية.
في الحالة السورية، يمكن للنظام الفيدرالي أن يؤسس إدارة ديمقراطية منتخبة في المناطق الكوردية التاريخية، مع احتفاظ الحكومة الاتحادية بالملفات السيادية كالدفاع والسياسة الخارجية والعملة.
وبهذا، تصبح الفيدرالية تجسيدًا عمليًا لمفهوم تقرير المصير الداخلي وفق الفقه القانوني الدولي، دون المساس بوحدة الدولة أو سيادتها.
التأكيد على الحقوق القومية الكوردية لا ينفصل عن مبدأ المساواة الكاملة بين جميع مكونات الشعب السوري. فالحقوق لا تتجزأ، وأي نظام ديمقراطي لا يمكن أن يقوم على امتياز مكون دون آخر.
العرب والكورد والسريان والآشوريين والتركمان وسائر المكونات يشكلون نسيج المجتمع السوري، وأي عقد اجتماعي جديد يجب أن يقوم على الاعتراف المتبادل واحترام الحقوق.
تبرز هنا أهمية وحدة الموقف الكردي، على أساس برنامج قانوني واضح يستند إلى الدستور وحقوق الإنسان والقانون الدولي، ويربط المطالب القومية بمشروع وطني ديمقراطي شامل.
فالقضية الكوردية ليست قضية فئوية، بل جزء من إعادة تأسيس الدولة السورية على أسس العدالة وسيادة القانون.
كما أن بناء تحالفات مستدامة مع القوى السياسية والاجتماعية السورية الأخرى يتطلب خطابًا جامعًا يربط الفيدرالية بالإصلاح الديمقراطي الشامل، ويؤكد أن اللامركزية ليست مطلبًا خاصًا بالكورد فقط، بل ضرورة وطنية لضمان توزيع السلطة والثروة بعدالة والحد من عودة الاستبداد.
على الصعيد الدولي، فإن تثبيت الحقوق القومية وحقوق الإنسان في أي عملية دستورية مقبلة أمر بالغ الأهمية، في ضوء التزامات سوريا الدولية.
ومع ذلك، الضمانة الأساسية تظل الإرادة الوطنية الحرة، إذ لا تُفرض الشرعية الدستورية المستدامة من الخارج، بل تُبنى عبر توافق داخلي يعكس إرادة جميع المكونات.
وأخيرًا، يجب التأكيد أن مستقبل الكورد في سوريا مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمستقبل الدولة السورية نفسها. استقرار البلاد ووحدتها الطوعية يتوقفان على قدرتها على التحول إلى دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان، وتقرّ بالمساواة الكاملة بين جميع شعوبها ومكوناتها.
إن ضمان الحقوق القومية للشعب الكوردي — من خلال الاعتراف الدستوري، والفيدرالية الديمقراطية، وممارسة حق تقرير المصير الداخلي وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة — لا يشكل تهديدًا لوحدة الدولة، بل يعزز شرعيتها ويكرّس مفهوم المواطنة المتساوية. أما تجاهل هذه الحقوق، فيعيد إنتاج أسباب التوتر التاريخي ويقوّض فرص الاستقرار المستدام.
إن بناء سوريا المستقبل يتطلب عقدًا اجتماعيًا جديدًا يقوم على الشراكة الحرة، وسيادة القانون، واحترام التعددية بوصفها حقيقة تاريخية وجغرافية.
وفي هذا السياق، فإن ترسيخ نظام لا مركزي فيدرالي ضمن دولة سورية موحدة يمثل مسارًا دستوريًا مشروعًا يوازن بين وحدة الدولة وحقوق شعوبها، ويؤسس لدولة عادلة لجميع أبنائها دون استثناء.
Khaled Hasso



