بقلم: شفان الخابوري
بعد أكثر من عقد من الصراع، وبعد سقوط نظام حزب البعث الذي حكم سوريا لعقود طويلة، يقف السوريون اليوم أمام سؤال تاريخي لا يمكن تجاوزه: هل وصل الشعب السوري إلى الأهداف التي خرج من أجلها وضحى بملايين الضحايا والجرحى والمهجرين والمعتقلين، أم أن الطريق نحو تحقيق تلك الأهداف لا يزال في بدايته؟
لقد خرج السوريون مطالبين بالحرية والكرامة والعدالة ودولة المواطنة، ولم تكن مطالبهم تقتصر على تغيير السلطة السياسية فحسب، بل كانت تهدف إلى بناء دولة حديثة تقوم على سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والاعتراف بالتعددية القومية والدينية والثقافية التي تتميز بها سوريا.
اليوم، وبعد زوال النظام السابق، لا تزال البلاد تواجه واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والخدمية في تاريخها. فالانهيار الاقتصادي، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، واستمرار ضعف الخدمات الأساسية، وتدمير جزء كبير من البنية التحتية، كلها تحديات تجعل حياة السوريين اليومية أكثر صعوبة، وتفرض على أي إدارة مسؤولة مسؤوليات استثنائية.
ولا شك أن الإدارة المؤقتة ورثت دولة منهكة، وبنية تحتية مدمرة، ومؤسسات ضعيفة، إضافة إلى عقوبات وتعقيدات سياسية وأمنية واقتصادية تراكمت عبر سنوات الحرب.
ومن غير المنصف تحميلها وحدها كامل مسؤولية الواقع الحالي، لأن جزءاً كبيراً من هذا الواقع هو نتيجة مباشرة لسنوات طويلة من الصراع والسياسات التي سبقت سقوط النظام.
لكن في المقابل، فإن أي سلطة انتقالية لا تُقاس فقط بحجم التحديات التي تواجهها، وإنما أيضاً بقدرتها على إدارة الأولويات.
وهنا يبرز تساؤل مشروع يتردد على ألسنة كثير من السوريين: هل أولت الإدارة المؤقتة اهتماماً كافياً بالشأن الداخلي، ومعالجة الأزمات المعيشية والخدمية، أم أن تركيزها الأكبر انصب على تحقيق الاعترافات السياسية والدبلوماسية الخارجية؟
إن بناء الشرعية يبدأ من الداخل قبل الخارج.
فالمواطن الذي يعاني من الفقر، وانقطاع الخدمات، وغياب فرص العمل، ينتظر حلولاً ملموسة بقدر ما ينتظر الاعتراف السياسي الدولي.
ومن القضايا التي لا تزال تفرض نفسها بقوة، القضية الكردية، باعتبارها إحدى القضايا الوطنية الأساسية التي لم تجد حتى الآن حلاً نهائياً يضمن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي على أساس كونه شعباً أصيلاً يعيش على أرضه التاريخية ضمن سوريا.
إن تجاهل هذه القضية أو تأجيلها لن يؤدي إلى استقرار دائم، بل إن أي مشروع وطني حقيقي يجب أن يعترف بالتعددية القومية، ويؤسس لشراكة دستورية وسياسية عادلة بين جميع مكونات البلاد.
كما يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يشعر جميع السوريين اليوم بالرضا عن شكل الإدارة المؤقتة وآليات عملها؟
من الصعب الادعاء بوجود إجماع كامل في مجتمع أنهكته الحرب والانقسامات.
فهناك من يرى أن الإدارة الحالية تمثل فرصة لإعادة بناء الدولة، وهناك من يطالب بإصلاحات أوسع، ومشاركة سياسية أكبر، وضمانات دستورية أكثر وضوحاً لجميع المكونات.إن إسقاط نظام سياسي لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة الوطنية.
فالثورات لا تُقاس فقط بإزالة الأنظمة، وإنما بقدرتها على بناء البديل الذي يحقق تطلعات الشعوب في الحرية والعدالة والاستقرار والتنمية.
واليوم، يحتاج السوريون إلى مشروع وطني جامع، يقوم على المصالحة، والعدالة الانتقالية، واللامركزية الديمقراطية، واحترام حقوق جميع القوميات والأديان والمذاهب، بعيداً عن منطق الإقصاء أو الاحتكار السياسي.
إن نجاح المرحلة الانتقالية لن يُقاس بعدد الاعترافات الدولية، وإنما بقدرة الدولة على استعادة ثقة مواطنيها، وتحسين مستوى معيشتهم، وإعادة إعمار مؤسساتها، وصياغة عقد اجتماعي جديد يشعر فيه كل سوري، عربياً كان أم كردياً أم سريانياً أم آشورياً أم تركمانياً أم شركسياً، بأنه شريك كامل في مستقبل هذا الوطن.
لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً من أجل الحرية. واليوم، فإن المسؤولية التاريخية تقتضي أن تتحول تلك التضحيات إلى مشروع دولة ديمقراطية عادلة، لا إلى مجرد انتقال في السلطة.
فنجاح أي ثورة لا يكتمل بسقوط النظام السابق، بل يبدأ فعلياً عندما يشعر المواطن بأن حياته أصبحت أكثر أمناً وكرامة وعدالة، وأن الوطن يتسع للجميع دون استثناء.



