مقالات

الخيانة… الجرح الذي لم يندمل في التاريخ الكرد

مشاركة

خبات شاكر

يليس هناك شعبٌ في الشرق الأوسط كُتب عنه الكثير، واختلف أبناؤه حول أنفسهم، كما كُتب عن الشعب الكردي. فمنذ قرون، لم تكن المآسي الكردية وليدة قوة الخصوم وحدها، بل كانت الانقسامات الداخلية، وصراع المصالح، وتعدد الولاءات، أحد أكثر العوامل التي أثرت في مسار القضية الكردية.

في كل مرحلة من التاريخ الكردي، يظهر سؤال مؤلم: هل كان العدو الخارجي أقوى، أم أن الانقسام الداخلي كان أكثر فتكًا؟في الذاكرة الكردية تتردد أسماء تاريخية يراها بعض الكرد رمزًا للخيانة، بينما يراها آخرون أبناءً لظروف سياسية معقدة. وهنا تكمن المعضلة؛ فالتاريخ لا يُقرأ دائمًا بعين واحدة، وما يعده فريق خيانة قد يراه فريق آخر خيارًا سياسيًا أو ضرورة فرضتها موازين القوى.

هذه الإشكالية لم تتوقف عند صفحات التاريخ، بل امتدت إلى واقعنا المعاصر. ففي إقليم كردستان العراق، وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الحكم الذاتي، لا يزال المواطن يرى الانقسام الحزبي ينعكس على مؤسسات الحكم، حتى أصبح كثيرون يتحدثون عن مراكز نفوذ متعددة داخل الإقليم بدلًا من مشروع وطني موحد. وتأخر تشكيل الحكومات والخلافات المستمرة يبعث برسالة مؤلمة مفادها أن الوحدة السياسية ما زالت هدفًا بعيد المنال.

وفي روج آفا، حيث واجه الكرد أخطار تنظيمات متشددة وتدخلات إقليمية، وقدم آلاف المقاتلين والمقاتلات تضحيات كبيرة دفاعًا عن الأرض والوجود، شهدت الساحة أيضًا خلافات كردية داخلية، ووصل الأمر إلى أن انخرط بعض الكرد في مشاريع سياسية أو عسكرية يعارضها جزء آخر من أبناء الشعب الكردي. وهذه الوقائع عمّقت الانقسام وأثارت نقاشًا واسعًا حول معنى المصلحة الوطنية وحدود الاختلاف السياسي.

المفارقة أن الكرد عبر التاريخ ساهموا في بناء دول وإمبراطوريات كبرى، وبرز منهم قادة وعلماء وشعراء وفقهاء خدموا الحضارة الإسلامية والإنسانية، وكان لهم حضور في الدولة الميدية، والإمبراطورية الساسانية، والدولة العثمانية، ودول أخرى. لكن هذا الحضور الكبير لم يتحول إلى مشروع قومي حافظ على كيان سياسي كردي مستقر.

وربما لهذا السبب تتكرر المأساة؛ فالكرد غالبًا ما يربحون في ميادين القتال، لكنهم يخسرون عند طاولات السياسة والتفاوض. يثبتون شجاعة استثنائية في الدفاع عن الأرض، ثم تتبدد ثمار التضحيات بسبب الانقسام أو غياب الرؤية المشتركة.

لقد تعرضت الحركة الكردية الحديثة، بمختلف مدارسها واتجاهاتها، إلى انشقاقات وصراعات داخلية، سواء في تجربة أو في تجارب الحركات الكردية الأخرى، كما واجهت إدارة روج آفا تحديات داخلية وخارجية متشابكة. وهذا يؤكد أن الخلافات ليست حكرًا على تيار دون آخر، بل هي ظاهرة رافقت الحركة الكردية بأشكال مختلفة.لكن السؤال الحقيقي ليس: من هو الخائن؟

بل: لماذا تتكرر الانقسامات؟هل السبب غياب الدولة؟ أم التدخلات الإقليمية؟ أم سيطرة الولاءات الحزبية والعشائرية على المصلحة الوطنية؟ أم أن قرنًا من تقسيم كردستان بين أربع دول خلق واقعًا جعل من الصعب إنتاج مشروع قومي موحد؟إن اتهام الآخرين بالخيانة قد يكون سهلًا، لكن الأصعب هو بناء ثقافة سياسية تقبل الاختلاف، وتضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية والشخصية.

فالأمم لا تنهض عندما يتفق الجميع في الرأي، وإنما عندما يختلفون ضمن إطار يحفظ وحدة المصير.إن الشعب الكردي لا تنقصه الشجاعة، ولا القدرة على التضحية، ولا الكفاءات الفكرية والسياسية.

ما يحتاج إليه اليوم هو مشروع وطني جامع، يعترف بالتنوع السياسي، ويجعل الحوار بديلاً عن التخوين، لأن الشعوب لا تبني مستقبلها بإعادة إنتاج جراح الماضي، بل باستخلاص دروسه.

ويبقى السؤال مفتوحًا أمام كل كردي: هل سنظل نبحث عن خائن جديد في كل مرحلة من تاريخنا، أم سنبحث أخيرًا عن الطريق الذي يجعل أبناء الوطن الواحد شركاء في صناعة المستقبل، لا خصومًا في معارك لا تنتهي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى