مقالات

يسرى درويش وريحان عامودا… حين يتحول الحضور إلى قضية

مشاركة

خبات شاكر

في الشرق الذي اعتاد أن يودّع أبناءه على عتبات الحروب، لا يصبح الموت مجرد خبر عابر، بل يتحول إلى صفحة جديدة من صفحات الصراع على الوجود والهوية. وفي الذكرى الثالثة لاستشهاد يسرى درويش، الرئيسة المشتركة السابقة لمجلس مقاطعة قامشلو، ورفيقتها ريحان عامودا (ليمان شويش)، ورفيقهما فرات توما، يعود السؤال ذاته ليطرق أبواب الذاكرة: ماذا أرادت تركيا أن تحقق عندما استهدفت سيارة مدنية تقل شخصيات إدارية وسياسية في العشرين من حزيران عام 2023؟

ثلاث سنوات مرت، لكن الأسماء ما زالت حاضرة في وجدان الناس أكثر مما كانت حاضرة في مواقعها الرسمية. فبعض الأشخاص يغادرون مناصبهم عندما يغادرون الحياة، أما آخرون فتبدأ أدوارهم الحقيقية بعد الرحيل.

هكذا تحولت يسرى درويش إلى رمز لمرحلة كاملة من مراحل الإدارة الذاتية، وتحولت ريحان عامودا إلى صورة للمرأة الكردية التي انتقلت من هامش السياسة إلى قلبها، فيما بقي فرات توما شاهداً على شراكة المكونات التي حاولت تجربة شمال وشرق سوريا ترسيخها وسط العواصف.

لم يكن استهدافهم مجرد عملية عسكرية في حسابات الجغرافيا والسياسة، بل كان رسالة سياسية واضحة.

فالدولة التركية، التي تنظر إلى تجربة الإدارة الذاتية بوصفها تهديداً استراتيجياً لمشاريعها الإقليمية، لم تكن تستهدف أفراداً بقدر ما كانت تستهدف نموذجاً إدارياً واجتماعياً أخذ يتشكل على الأرض منذ ثورة التاسع عشر من تموز.

ولهذا فإن اختيار شخصيات مدنية وإدارية لم يكن تفصيلاً عابراً، بل يعكس طبيعة الصراع الدائر حول مستقبل المنطقة وهويتها السياسية.

لقد جسدت يسرى درويش نموذج المرأة التي خرجت من حدود الدور التقليدي إلى فضاء العمل العام.

لم تكن مجرد مسؤولة إدارية، بل كانت جزءاً من مشروع حاول إعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والسلطة، وبين المرأة والسياسة، وبين المكونات المختلفة في منطقة عاشت عقوداً طويلة تحت وطأة التهميش والإقصاء.

ولذلك فإن استشهادها لم يكن خسارة شخصية لعائلتها أو لمحيطها السياسي فحسب، بل خسارة لخبرة تراكمت في ظروف استثنائية وصعبة.

أما ريحان عامودا، التي عرفها أبناء منطقتها باسم ليمان شويش، فقد كانت تمثل جيلاً جديداً من النساء اللواتي حملن أعباء التنظيم والعمل المجتمعي في أكثر مراحل المنطقة تعقيداً. كانت تؤمن أن بناء المجتمع لا يقل أهمية عن حماية الأرض، وأن الإدارة الناجحة هي الوجه الآخر للمقاومة.

لذلك بقي اسمها حاضراً في ذاكرة الناس الذين عرفوا تواضعها وقربها من همومهم اليومية.إن استذكار هؤلاء الشهداء اليوم لا ينبغي أن يقتصر على مراسم وضع أكاليل الورود أو زيارة الأضرحة، رغم أهمية هذه الطقوس الرمزية في حفظ الذاكرة الجماعية. فالقضية الأعمق تكمن في قراءة الدلالات السياسية لاستشهادهم.

فحين تصبح الكوادر المدنية والإدارية أهدافاً مباشرة للطائرات المسيّرة، فهذا يعني أن المعركة لم تعد تدور حول خطوط التماس العسكرية فقط، بل حول مستقبل الإدارة والتنظيم المجتمعي والقدرة على إنتاج نموذج سياسي بديل في المنطقة.

ومن هنا، فإن الرسالة التي أراد منفذو الاغتيال إيصالها لم تحقق كامل أهدافها. فالأشخاص قد يغيبون، لكن الأفكار التي يمثلونها لا يمكن استهدافها بالصواريخ.

وبعد ثلاث سنوات ما زالت مؤسسات الإدارة الذاتية قائمة، وما زالت المرأة تشارك في مواقع القرار، وما زالت المكونات المختلفة تحاول الحفاظ على مساحة مشتركة للعيش والعمل رغم كل التحديات.

في مزار الشهيد إسماعيل بعامودا، لم يكن الحاضرون يستذكرون الماضي فقط، بل كانوا يجددون عهداً مع المستقبل.

فالشهداء في الوجدان الكردي ليسوا أسماء محفورة على شواهد القبور، بل محطات مضيئة في طريق طويل من النضال. وكلما مرت السنوات، يتحول استشهادهم من حدث مؤلم إلى جزء من الذاكرة السياسية للشعب، ومن خسارة آنية إلى قوة معنوية تدفع الأجيال الجديدة لمواصلة الطريق.

وهكذا تبقى يسرى درويش وريحان عامودا وفرات توما حاضرين في ذاكرة شمال وشرق سوريا، ليس لأنهم استشهدوا فقط، بل لأنهم مثلوا فكرة ما زالت حية: أن الشعوب تستطيع أن تبني مؤسساتها، وأن النساء قادرات على قيادة مجتمعاتهن، وأن الإرادة السياسية لا تُقاس بطول العمر، بل بالأثر الذي يتركه الإنسان بعد رحيله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى