خبات شاكر
بعد ثمانية أعوام من التهجير القسري والألم والانتظار، بدأت شمس العودة تشرق من جديد على عفرين. ففي يوم الأربعاء ١٠/٦/٢٠٢٦ وصلت قافلة جديدة من أبناء عفرين المهجرين من ديرك (المالكية) وكركي لكي وقامشلو إلى مدينتهم وقراهم، وضمت أكثر من ١٦٠٠ عائلة عفرينية عادت بسلام إلى أرضها التي اقتُلعت منها ذات يوم بفعل الحرب والصراعات والتغييرات الديمغرافية التي عصفت بالمنطقة.
لم تكن هذه القافلة مجرد رحلة عودة إلى المنازل والحقول، بل كانت رحلة عودة إلى الذاكرة والهوية والجذور.
وكان للمشهد دلالاته الإنسانية والوطنية العميقة، حين رافق القافلة الفنان المعروف بنكين عفريني، إلى جانب مرافقة قوات كردية، في صورة تعكس إرادة الحياة والانتماء والإصرار على التمسك بالأرض رغم سنوات الغربة القاسية.
إن عودة المهجرين الكرد إلى عفرين ليست قضية محلية تخص أبناء المنطقة وحدهم، بل هي قضية وطنية سورية بامتياز.
فحق العودة إلى الديار حق طبيعي وإنساني لا يسقط بالتقادم، وهو أحد أهم الأسس التي يمكن أن تُبنى عليها سورية المستقبل.
فالأوطان لا تستقر بالاقتلاع والتهجير، وإنما تستقر حين يعود أهلها إليها أحراراً آمنين، يمارسون حياتهم الطبيعية ويشاركون في بناء مجتمعهم.إن حلحلة ملف عفرين، ومعالجة آثار سنوات الاحتلال والتهجير، تشكل خطوة بالغة الأهمية على طريق إعادة الثقة بين السوريين، وتفتح الباب أمام نموذج جديد للعيش المشترك بين مختلف المكونات القومية والدينية والثقافية.
فحين يعود الكردي إلى منزله في عفرين، ويعيش إلى جانب العربي والتركماني والإيزيدي والمسلم والمسيحي في إطار من الاحترام المتبادل والقانون العادل، فإن ذلك يمثل اللبنة الأولى في بناء سورية جديدة تتسع للجميع.
لقد أثبتت التجارب المريرة التي عاشتها البلاد خلال السنوات الماضية أن الإقصاء لا يصنع استقراراً، وأن سياسات الإنكار والهيمنة لا تنتج إلا المزيد من الأزمات.
أما الحل الحقيقي فيكمن في الاندماج الديمقراطي الذي يحفظ خصوصية كل مكون، ويضمن في الوقت ذاته وحدة البلاد على أساس المواطنة المتساوية والحقوق والواجبات المشتركة.وعفرين اليوم يمكن أن تتحول إلى رمز لهذا التحول المنشود.
فعودة أبنائها وفتح صفحة جديدة قائمة على التسامح والمصالحة والعدالة، قد تجعل منها نموذجاً لسورية التي يحلم بها السوريون جميعاً؛ سورية لا مكان فيها للتمييز أو الإقصاء، بل تقوم على الاعتراف المتبادل والشراكة الحقيقية بين جميع أبنائها.
إن بناء سورية مستقرة لا يبدأ من المؤتمرات السياسية وحدها، بل يبدأ من عودة الناس إلى بيوتهم، ومن إعادة الحياة إلى القرى والمدن التي أنهكتها الحروب.
ويبدأ أيضاً من ترسيخ ثقافة الأخوة والمحبة وقبول الآخر، وبناء جسور الثقة بين المكونات المختلفة، تحت سقف قانون عادل يحمي الجميع دون استثناء.
لذلك فإن عودة آلاف العائلات العفرينية إلى ديارها ليست حدثاً عابراً في سجل الأخبار اليومية، بل هي رسالة أمل لسورية كلها. رسالة تقول إن الجراح، مهما كانت عميقة، يمكن أن تلتئم.
وإن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحياة قادرة على تجاوز المآسي وصناعة مستقبل أفضل.
وعندما تفتح عفرين أبوابها من جديد لأبنائها، فإنها لا تستعيد سكانها فحسب، بل تستعيد جزءاً من روحها، وتمنح السوريين جميعاً أملاً بأن طريق السلام والعيش المشترك ما زال ممكناً، وأن الوطن الذي يتسع للجميع هو وحده القادر على البقاء.



