مجموع

سوريا بين المطرقة والسندان: هل تتحول عقود الاتصالات مع تركيا إلى “وصاية رقمية” طويلة الأمد؟

مشاركة

آفرين علو ـ xeber24.net

على وقع التئام الجراح السورية بعد سنوات من الحرب، تتسارع وتيرة التعاقدات الاقتصادية بين السلطة الانتقالية في دمشق وأنقرة، غير أن آخر هذه الاتفاقيات يثير مخاوف جدية من تجاوز الاستثمار إلى مناطق النفوذ السيادي، وتحديداً في قطاع الاتصالات.

فبعد أيام من تداول وثائق مسربة حول منح تحالف تركي بقيادة شركات Türk Telekom وTürkcell وVodafone Turkey صلاحيات تشغيل وإدارة قطاع الاتصالات في منطقة تمتد من كسب إلى تخوم اللاذقية، برزت تساؤلات حادة حول ما إذا كانت سوريا تسير نحو احتكار جديد تحت مظلة إعادة الإعمار.وبحسب الوثائق المتداولة، فإن الاتفاق يمنح التحالف التركي حق إدارة وتشغيل الشبكة لمدة تتراوح بين 15 و20 عاماً وفق نموذج “البناء والتشغيل ونقل الملكية” (BOT)، تشمل هذه الفترة إنشاء شبكة ألياف ضوئية، وتوسيع الجيل الرابع خلال عامين، والتحضير لتقنيات الجيل الخامس خلال ثلاث سنوات، إضافة إلى إنشاء مركز بيانات محلي لمعالجة معلومات المستخدمين داخل سوريا.

لكن ما يثير قلق الخبراء ليس التحديث التقني بحد ذاته – وهو حاجة ملحة بلا شك – بل حجم النفوذ التشغيلي الذي تمنحه هذه الاتفاقيات لشركات أجنبية في قلب البنية الرقمية للدولة السورية.

ويزيد من حدة القلق الإحاطة ببنود الاتفاق بسرية شبه تامة، إذ لم يصدر أي إعلان رسمي واضح عن تفاصيله من الجانبين السوري أو التركي، مما يثير علامات استفهام حول وجود شروط إضافية تتعلق بإدارة البيانات أو الامتيازات الأمنية أو فترات التمديد التلقائي.

ويرى مراقبون أن صمت السلطة الانتقالية ومضيها قدماً في هذه الشراكات دون حوار مجتمعي أو رقابة برلمانية أو قانونية، يعيد إنتاج ذات ثقافة الاحتكار والمحسوبيات التي عانى منها السوريون طوال عقود، حين تحول قطاع الاتصالات إلى أداة نفوذ بيد رجال أعمال مقربين من النظام السابق، مثل رامي مخلوف، أو بشركات إيرانية كـ”وفا تيليكوم”.ولكن الأخطر، بحسب اقتصاديين، هو الرسالة السلبية التي ترسلها هذه الاتفاقيات غير المعلنة إلى المستثمرين العرب والدوليين.

فدمشق كانت تجري مفاوضات متقدمة مع شركات إقليمية كبرى مثل stc السعودية، وOoredoo القطرية، وe& الإماراتية، إضافة إلى محادثات تقنية مع Starlink إيلون ماسك.غير أن منح امتيازات واسعة لتحالف تركي واحد، وبسرية، يخلق انطباعاً بأن بيئة الاستثمار السورية ما زالت خاضعة للتفاهمات السياسية والثنائية بدل المنافسة الشفافة، مما قد يدفع الشركات الكبرى للتراجع.

وبينما يرى مؤيدو هذا التوجه أن سوريا بحاجة ماسة إلى ضخ استثمارات تقنية تعيد بناء بنيتها التحتية المنهارة بسرعة، يحذر المنتقدون من تشكل تبعية اقتصادية ورقمية يصعب تفكيكها لاحقاً.

فالدولة السورية التي خرجت من حرب مدمرة لا تملك اليوم مؤسسات رقابية قوية ولا تشريعات تحمي السيادة الرقمية، في وقت تتسع فيه دائرة المشاريع التركية لتشمل الموانئ والطاقة والنقل والمناطق الحرة، مما يرسم صورة لنموذج شراكة غير متوازن قد يتحول بمرور الوقت إلى وصاية اقتصادية وسياسية.

ويظل السؤال الأكبر: هل ستكون سوريا الجديدة قادرة على الموازنة بين حاجتها الماسة للاستثمار والحفاظ على قرارها السيادي في قطاع حساس كالاتصالات، أم أن اتفاقيات اليوم ستصبح أزمات الغد؟

في بلد أنهكته الحرب، لم يعد ملف الاتصالات مجرد تحديث تقني، بل اختباراً حقيقياً لشكل الدولة السورية القادمة: هل ستكون قوية بشفافيتها واستقلالية قرارها، أم ستعيد إنتاج التبعية بصيغة جديدة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى