بقلم / شفان الخابوري
في خضم الحديث عن اندماجات وتفاهمات بين القوى الفاعلة في شمال وشرق سوريا، يندفع البعض سريعاً نحو أحكام قاطعة: خيانة، انهيار، أو حتى نهاية الحلم الكردي. لكن الحقيقة، كما هي دائماً في السياسة، أكثر تعقيداً من الشعارات.
ما يحدث ليس لحظة سقوط… بل لحظة إعادة تموضع.
لقد وُلد مشروع روج آفا في ظروف استثنائية، مستفيداً من فراغات القوة والتحولات الكبرى في المنطقة، واستطاع أن يفرض نفسه كواقع سياسي وعسكري. لكن هذا المشروع، منذ بدايته، لم يكن محمياً بإرادة دولية تعترف به كقضية “أرض وشعب”، بل كان محكوماً بتوازنات مؤقتة، أبرزها الحرب على الإرهاب.
اليوم، تتغير تلك التوازنات.
الولايات المتحدة لم تعد ترى في المنطقة أولوية استراتيجية مفتوحة، وتركيا مستمرة في اعتبار أي كيان كردي تهديداً مباشراً، بينما تتقاطع مصالح القوى الإقليمية على منع تشكل أي نموذج كردي مستقل. وفي ظل غياب اعتراف سياسي دولي حقيقي، يجد الكرد أنفسهم مرة أخرى أمام معادلة قاسية: التكيّف… أو المخاطرة بكل شيء.
هل هذا خيانة؟
الخيانة تعني وجود خيار أفضل تم التخلي عنه طوعاً. لكن هل كان هذا الخيار موجوداً فعلاً؟
ما نراه أقرب إلى براغماتية مؤلمة، تحاول الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه، وتجنب سيناريوهات أكثر قسوة قد تعيد المنطقة إلى نقطة الصفر.
نعم، لا يمكن إنكار وجود أخطاء سياسية، وربما سوء تقدير في بعض المراحل، وربما أيضاً ضعف في بناء تحالفات أوسع. لكن اختزال كل ما جرى بكلمة “خيانة” هو تبسيط مخلّ، لا يخدم الحقيقة ولا يخدم القضية.
في السياسة، ليست كل التراجعات هزائم… وليست كل التسويات استسلاماً.
قد يكون ما يجري اليوم تراجعاً في سقف الطموح، لكنه في الوقت ذاته محاولة واقعية لحماية الوجود، والحفاظ على ما تحقق، ولو بالحد الأدنى.
التاريخ الكردي، منذ اتفاقية سايكس بيكو وحتى اليوم، يخبرنا بحقيقة واحدة:
أن هذه القضية لم تُحسم يوماً بالإرادة الداخلية وحدها، بل كانت دائماً رهينة تقاطعات المصالح الدولية.
ورغم كل ذلك… لم تنتهِ.
لأن الشعوب التي تملك قضية، لا تسقط بتسوية… ولا تختفي باتفاق.
قد تتغير الأشكال، تتبدل الأدوات، تنخفض التوقعات…
لكن الفكرة تبقى.
والكرد، كما كانوا دائماً، سيبقون أمام التحدي ذاته:
كيف يحوّلون لحظات الضغط إلى فرص…
وكيف يكتبون مستقبلهم بأدوات السياسة،




