ولات خليل _xeber24.net .وكالات
أثارت جداول الرواتب الجديدة التي أقرّتها الحكومة السورية تحت مسمى “الزيادة النوعية” موجة واسعة من الجدل والانتقادات في الأوساط الوظيفية والنقابية، وسط اتهامات بأنها كرّست تفاوتاً حاداً بين العاملين في مؤسسات الدولة، بدل أن تؤسس لمعالجة فعلية للأزمة المعيشية المتفاقمة.
وبحسب الجداول المتداولة، فقد شملت الزيادة قطاعات محددة كالتربية والتعليم العالي والصحة والجهات الرقابية والمصرف المركزي والأوقاف، فيما بقيت وزارات ومؤسسات أخرى خارج إطار الزيادة نفسها، الأمر الذي خلق فجوات كبيرة بين موظفين يحملون المؤهلات العلمية ذاتها، لكنهم يعملون في جهات مختلفة.
كما يرى متابعون أن الزيادة النوعية لم تطل عملياً سوى شريحة محدودة مقارنة بالحجم الكلي للعاملين في مؤسسات الدولة السورية، ما يعني أن النسبة الأكبر من الموظفين بقيت خارج نطاقها، رغم أن العديد منهم يعملون في قطاعات لا تقل أهمية أو خطورة أو جهداً، كالبنى التحتية والطاقة والصناعة والزراعة والخدمات الفنية والقانونية، وهي وظائف تعتمد عليها مؤسسات الدولة بصورة مباشرة في إدارة مرافقها واستمرار عملها.
وأظهرت الأرقام فروقات لافتة في الرواتب المقطوعة، إذ تراوحت رواتب المعلمين والإداريين في قطاع التربية بين 23 ألفاً و26 ألف ليرة سورية جديدة، بينما تجاوز راتب بعض المناصب الإدارية العليا في قطاع التعليم العالي 134 ألفاً، مع تعويضات رفعت الإجمالي إلى أكثر من 218 ألفاً، في حين بقيت رواتب مهندسين واقتصاديين ومحامين وأطباء بيطريين في قطاعات أخرى عند حدود 21 ألف ليرة فقط.
وفي وزارة التربية تحديداً، توسعت دائرة الانتقادات لتطال آلية تطبيق الزيادة نفسها، بعدما شملت بعض العاملين الإداريين استناداً إلى صفتهم التعليمية السابقة، رغم أنهم يشغلون حالياً وظائف إدارية بحتة كأمناء السر والمكتبات والمستودعات والمرشدين والمخبريين والموجهين.
وأثار ذلك تساؤلات حول مبدأ العدالة الوظيفية، مع وجود موظفين يؤدون المهام ذاتها داخل المؤسسة الواحدة لكن برواتب وتعويضات مختلفة بسبب خلفيتهم الوظيفية القديمة لا طبيعة عملهم الحالية.
وأشار منتقدون إلى أن التعليمات التنفيذية الخاصة بالمرسوم تنص على صرف التعويضات وفق المسمى الوظيفي الحالي بعد تغيير الصفة الوظيفية، لا وفق الصفة السابقة، معتبرين أن آلية التطبيق الحالية قد تخلق شعوراً بالتمييز داخل المؤسسات التعليمية، وتدفع بعض الكوادر مستقبلاً إلى الابتعاد عن التدريس والاتجاه نحو الأعمال الإدارية الأقل ضغطاً مع الاحتفاظ بجزء من التعويضات.
وفي سياق الجدل ذاته، لفت متابعون إلى ورود بند أسفل وخارج الجداول الصادرة عن وزارة المالية الخاصة بالزيادات النوعية للأطباء والعاملين في المشافي الحكومية، ينص على تطبيق المرسوم 67 المتعلق بزيادة 50% على مشفى إدلب الجامعي وجامعة إدلب والجهات المرتبطة بها، ما أثار تساؤلات إضافية حول آليات تصنيف الجهات المشمولة بالزيادة والمعايير المعتمدة في شمول بعض المؤسسات واستثناء أخرى ضمن الوزارة ذاتها.
كما تصاعدت الانتقادات داخل القطاع الصحي بعد استبعاد عدد من الفئات الوظيفية في وزارة الصحة، كالمستخدمين والممرضين والفنيين وبعض الكوادر المساندة، من الزيادة النوعية، والإبقاء عليهم ضمن إطار زيادة الـ50% التي أقرها المرسوم 67 فقط، الأمر الذي خلق تفاوتاً واضحاً في الرواتب داخل المنشأة الصحية الواحدة، رغم تكامل الأدوار بين مختلف العاملين في القطاع الطبي. وأثار ذلك حالة غضب واسعة بين الكوادر الصحية، التي اعتبرت أن تجاهل هذه الفئات يهدد بخلق شرخ داخلي ينعكس سلباً على بيئة العمل وجودة الخدمات الصحية، خاصة في ظل الضغط الكبير الذي تعانيه المشافي والمراكز الطبية ونقص الكوادر أساساً.
كما أثار غياب معيار سنوات الخدمة والأقدمية الوظيفية انتقادات إضافية، إذ أشار موظفون إلى أن الجداول الجديدة لم تراعِ الفارق بين من أمضى سنوات طويلة في العمل الحكومي وبين موظفين جدد تم تعيينهم حديثاً، لتصبح الرواتب متقاربة إلى حد كبير رغم تفاوت الخبرة وسنوات الخدمة، الأمر الذي اعتبره كثيرون إلغاءً فعلياً لقيمة التدرج الوظيفي والخبرة المتراكمة داخل مؤسسات الدولة. واعتبر موظفون أن تغييب “القدم الوظيفي” من معايير احتساب الرواتب والتعويضات أفقد سنوات الخدمة الطويلة قيمتها المعنوية والمادية، وساوى عملياً بين أصحاب الخبرات المتراكمة والموظفين الجدد، بما قد ينعكس سلباً على الحافز المهني والاستقرار الوظيفي داخل القطاع العام.
وترافق ذلك مع مطالبات بإعادة النظر في الحد الأدنى للأجور، الذي بقي بعيداً عن مواكبة الواقع المعيشي والانهيار الاقتصادي، وسط تأكيدات بأن أي زيادات جزئية أو نوعية ستفقد قيمتها سريعاً في ظل غياب معالجة شاملة للأجور والأسعار معاً.
ويرى مراقبون أن المشكلة لا تكمن في رفع رواتب بعض القطاعات بحد ذاته، بل في غياب معايير موحدة تراعي المؤهل العلمي وطبيعة العمل وسنوات الخبرة وحجم المسؤولية، مقابل اعتماد تصنيف قائم على “الوزارة” أو الجهة التي يعمل فيها الموظف، ما يفتح الباب أمام حالة من الاحتقان داخل القطاع العام ويضرب مفهوم العدالة الوظيفية.
كما أثارت الزيادة مخاوف من انعكاساتها بعيدة المدى على سوق العمل الحكومي، مع توقعات بتزايد عزوف الكفاءات العلمية عن بعض الاختصاصات التي لم تشملها الزيادات الكبيرة، الأمر الذي قد يدفع مزيداً من أصحاب الخبرات إلى الهجرة أو الاتجاه نحو القطاع الخاص، في وقت تعاني فيه البلاد أساساً من نزيف مستمر في الكوادر المهنية والعلمية.
ويحذر اقتصاديون من أن هذه الزيادات، حتى بالنسبة للفئات المستفيدة منها، قد تتحول عملياً إلى “زيادة وهمية”، في ظل الارتفاع الجنوني والمتسارع للأسعار، والانخفاض الحاد في القدرة الشرائية، إلى جانب التراجع المستمر في قيمة الليرة السورية أمام أسعار الصرف، ما يعني أن أي تحسن رقمي في الرواتب قد يلتهمه التضخم خلال فترة قصيرة.
وفي الوقت الذي تقول فيه الحكومة إن الهدف من الخطوة هو تحسين الواقع المعيشي وتحفيز بعض القطاعات الحيوية، يرى منتقدون أن غياب رؤية شاملة لإصلاح الأجور وربطها بالإنتاجية والكفاءة سيؤدي إلى تعميق الفجوة بين موظفي الدولة، وتحويل بعض المؤسسات إلى قطاعات “مميزة” مقابل تهميش قطاعات أخرى لا تقل أهمية في إدارة البلاد والخدمات العامة.
وتتزايد الدعوات لإعادة النظر في آلية توزيع الرواتب الجديدة، ووضع سلم أجور أكثر توازناً يضمن الحد الأدنى من العدالة بين العاملين في الدولة، بعيداً عن التفاوتات الكبيرة التي بدأت تثير حالة استياء واسعة في الأوساط الوظيفية والشعبية.




