آفرين علو ـ xeber24.net
حذّر الباحث السياسي السوري محمد الهويدي، في تحليل مطوّل للمشهد السياسي السوري، من مآلات خطيرة قد تقود البلاد نحو “غياب الدولة بالمعنى الحديث”، معتبراً أن جميع السيناريوهات الحالية تشترك في نتيجة واحدة هي استمرار سوريا “كساحة لا كياناً سياسياً متماسكاً”، ودعا إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على دولة مدنية حقيقية ونظام لامركزي يحفظ وحدة البلاد.
وبعد سنوات من الأزمة التي عصفت بسوريا وسقوط النظام السابق، يرى الهويدي أن البلاد تقف أمام مفترق طرق تاريخي قد يحسم مستقبلها لعقود مقبلة، مشيراً إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة:الأول: إعادة إنتاج الاستبداد بصيغة جماعية، حيث تختفي الفردانية لكن تحل محلها “شبكة سلطوية مغلقة تحتكر السياسة والاقتصاد والأمن”.الثاني: تحول الدولة إلى سلطة أمر واقع عاجزة عن فرض سيادتها، تكون خاضعة لتوازنات إقليمية ودولية وتكتفي بإدارة الأزمات بدلاً من حلها.
الثالث: تراكم الاحتقان الاجتماعي والطائفي بما يفتح الباب أمام “صدامات أهلية مؤجلة” قد تكون غير منظمة لكنها ستكون مدمرة للنسيج الاجتماعي.
وأكد الهويدي أن الحل لا يكمن في استيراد نماذج خارجية أو تبني أيديولوجيات جاهزة، بل في صيغة حكم واقعية تنطلق من بنية المجتمع السوري وتاريخه.
ورأى أن الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني يجب أن تكون “دولة مدنية دستورية يكون فيها القانون فوق الجميع، وتفصل فيها السلطات، وتضمن الحقوق الفردية والجماعية دون تمييز”.
وشدد الباحث على أن “الدولة المدنية ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً لإدارة مجتمع متعدد كالمجتمع السوري”، معتبراً أن “اللامركزية السياسية والإدارية باتت ضرورة لا خياراً”. وأوضح أن المركزية الشديدة كانت أحد أسباب انهيار الدولة، مؤكداً أن “اللامركزية ليست مقدمة للتقسيم، بل ضمانة للوحدة، طالما بقيت ملفات السيادة الأساسية بيد السلطة المركزية ضمن دولة موحدة”.
ودعا الهويدي إلى عقد اجتماعي جديد “يقوم على المحاسبة الفردية لا العقاب الجماعي، وعلى العدالة الانتقالية لا الثأر، وعلى الاعتراف المتبادل بين جميع المكونات”، محذراً من أنه “لا يمكن بناء دولة بعقلية الغالب والمغلوب، ولا ترميم مجتمع محطم بخطاب التخوين”.
وحول المرحلة الانتقالية، أكد أن أي سلطة انتقالية يجب أن تكون “محددة الصلاحيات والمدة”، وأن تتمثل مهمتها الأساسية في “تهيئة البلاد لانتقال ديمقراطي حقيقي عبر دستور توافقي وانتخابات نزيهة”.
وختم الهويدي بالقول: “سوريا اليوم أمام لحظة تاريخية نادرة، إما أن تتحول إلى دولة مواطنين، أو أن تكتفي بإسقاط رأس النظام مع الإبقاء على منطق الحكم ذاته”.
وأضاف: “التجربة السورية، بكل آلامها، تؤكد حقيقة واحدة: لا استقرار بلا عدالة، ولا وحدة بلا شراكة، ولا دولة بلا مواطنة”، محذراً من أن “أي سلطة لا ترى في سوريا وطناً متعدّداً، بل غنيمة سياسية، محكوم عليها بالسقوط ولو بعد حين”.
يأتي هذا التحليل في وقت تشهد فيه سوريا استمراراً للأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية، وسط جهود دولية وإقليمية لإيجاد حل للأزمة المتعددة الأوجه.



