Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

خطاب الكراهية ضد الشعب الكوردي.. لا حرية في التحريض ولا حصانة للعنصرية

مشاركة

خالد حسو كاتب وحقوقي

منذ سقوط النظام البائد في سوريا، ظهرت في بعض المنابر ووسائل التواصل الاجتماعي خطابات تتضمن إساءات عنصرية بحق الشعب الكوردي، وصلت في بعض الحالات إلى تشبيهه بالحيوانات، واستخدام ألفاظ مهينة وشتائم وعبارات تحطّ من كرامته بسبب هويته القومية.

إن هذه الممارسات ليست مجرد اختلاف في الرأي أو سجال سياسي عابر، بل هي سلوك يثير أسئلة جدية حول احترام الإنسان، وحماية التنوع القومي، وحدود حرية التعبير، والمسؤولية القانونية والأخلاقية في سوريا الجديدة.

لقد عانى السوريون، بمختلف انتماءاتهم، عقوداً طويلة من الاستبداد والتمييز والقمع. ومن غير المقبول أن يكون سقوط النظام بداية لظهور أشكال جديدة من الإهانة والإقصاء، أو أن تتحول حرية التعبير إلى غطاء لتبرير العنصرية والتحريض على الكراهية.

إن بناء دولة ديمقراطية عادلة لا يبدأ بتغيير السلطة وحده، بل يبدأ أيضاً بتغيير ثقافة الإقصاء، وترسيخ مبدأ المساواة، واحترام كرامة كل إنسان، أياً كانت قوميته أو لغته أو دينه أو انتماؤه السياسي.

أولاً: ماذا يقول القانون الدولي؟

تؤكد منظومة حقوق الإنسان الدولية أن الكرامة الإنسانية والمساواة أمام القانون من الحقوق الأساسية التي لا يجوز الانتقاص منها بسبب الأصل القومي أو العرقي.

فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان يقرّ في مادته الأولى بأن جميع الناس يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وتؤكد مادته الثانية حق كل إنسان في التمتع بالحقوق والحريات دون تمييز.

كما تنص المادة السادسة والعشرون من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على المساواة أمام القانون والحماية المتساوية من التمييز. وتتناول المادة التاسعة عشرة حرية التعبير، فيما تلزم المادة العشرون الدول بحظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.

وتؤكد الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري التزام الدول بمكافحة التمييز القائم على العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني.

لكن من الضروري التمييز بين الإساءة الأخلاقية، والتمييز، والتحريض الذي تتوافر فيه الشروط القانونية. فليس كل تعبير مسيء جريمة تلقائياً بموجب القانون الدولي؛ إذ يتوقف التكييف القانوني على طبيعة الكلام وسياقه ومضمونه ومدى انطباق النصوص ذات الصلة عليه.

ومع ذلك، فإن استخدام الهوية القومية وسيلةً للإذلال أو الدعوة إلى العداء ضد جماعة بشرية لا يمكن اعتباره ممارسة مسؤولة لحرية التعبير، ولا يجوز التساهل معه عندما يبلغ مستوى التحريض المحظور قانوناً.

ثانياً: ماذا يقول الإعلان الدستوري السوري؟

أقرّ الإعلان الدستوري السوري الصادر في الثالث عشر من آذار عام ٢٠٢٥ مبادئ تتصل مباشرة بهذه القضية.

فالمادة السابعة تؤكد التزام الدولة بتحقيق التعايش والاستقرار المجتمعي، وحفظ السلم الأهلي، ومنع إثارة النعرات والتحريض على العنف، كما تكفل التنوع الثقافي والحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين.

وتنص المادة العاشرة على المساواة أمام القانون في الحقوق والواجبات من دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو الجنس أو النسب.

أما المادة الثانية عشرة، فتؤكد صون حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتعدّ الحقوق والحريات الواردة في المعاهدات الدولية التي صادقت عليها سوريا جزءاً لا يتجزأ من الإعلان الدستوري. وتكفل المادة الثالثة عشرة حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة.

هذه المواد تضع أمام الدولة والمجتمع مسؤولية واضحة: حماية حرية التعبير من جهة، وصون المساواة والتنوع والسلم الأهلي من جهة أخرى.

فحرية التعبير ليست ترخيصاً مفتوحاً لإهانة الشعوب، كما أن حماية الوحدة الوطنية لا تتحقق بإنكار الهويات القومية أو التقليل من شأنها، بل بالاعتراف المتبادل بالحقوق والكرامة والمساواة.

ثالثاً: حرية التعبير لا تبرر العنصرية والتحريض

من المهم التمييز بين ثلاثة أمور:

أولاً: النقد السياسي المشروع.

من حق أي مواطن أن ينتقد حزباً أو قيادة سياسية أو مسؤولاً أو قراراً أو مشروعاً سياسياً، سواء أكان كورديّاً أم عربيّاً أم من أي انتماء آخر، شرط أن يكون النقد في إطاره المشروع، وألا يتحول إلى تحريض محظور قانوناً.

ثانياً: الإهانة القائمة على الهوية القومية.

عندما يُستهدف الكوردي بسبب كونه كوردياً، وتُستخدم بحقه أوصاف مهينة أو تشبيهات حيوانية بقصد الحط من كرامته، فإننا نكون أمام خطاب عنصري في مضمونه، حتى لو حاول صاحبه تقديمه على أنه مزاح أو رأي شخصي.

ثالثاً: التحريض على الكراهية أو العداء أو العنف.

عندما يتجاوز الخطاب حدود الإهانة إلى الدعوة إلى التمييز أو العداء أو الاعتداء على جماعة بسبب هويتها القومية، فإن الأمر قد يدخل في نطاق المسؤولية القانونية، وفقاً لمضمون الخطاب وسياقه والنصوص واجبة التطبيق.

وفي هذا السياق، تتناول المادة ٣٠٧ من قانون العقوبات السوري الأفعال والكتابات والخطابات التي يُقصد منها، أو ينتج عنها، إثارة النعرات العنصرية أو المذهبية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة.

ويظل تحديد المسؤولية الجزائية من اختصاص الجهات القضائية المختصة، بعد التحقق من الوقائع والأدلة وتوافر الشروط القانونية.

إن الاعتراض على سياسة حزب كوردي ليس عنصرية بحد ذاته، لكن تحويل هذا الاعتراض إلى إهانة للشعب الكوردي بأكمله هو انتقال من نقد المواقف إلى استهداف الهوية. وهذا هو الخط الفاصل الذي ينبغي أن يكون واضحاً في أي مجتمع يسعى إلى الديمقراطية وسيادة القانون.

رابعاً: المسؤولية لا تقع على الأفراد وحدهم

إن مواجهة خطاب الكراهية ليست مسؤولية المتضررين وحدهم، ولا تكفي فيها بيانات الاستنكار العابرة. إنها مسؤولية مشتركة تشمل الدولة ومؤسساتها القضائية والإعلامية والتربوية، كما تشمل الأحزاب السياسية والشخصيات العامة ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.

وتبدأ المعالجة الجادة بتطبيق القانون على الجميع دون انتقائية، والتحقيق في الشكاوى والأفعال التي تتوافر فيها شبهة مخالفة قانونية، وحفظ الأدلة الرقمية، ومحاسبة المسؤولين وفق الإجراءات القضائية السليمة.

كما ينبغي للأحزاب والشخصيات المؤثرة أن ترفض الخطاب العنصري بوضوح، وألا تبرره لمجرد صدوره عن أشخاص يشاركونها الرأي السياسي أو الخصومة مع طرف آخر.

وفي المقابل، يجب ألا تتحول مواجهة العنصرية إلى اتهام جماعي للعرب أو لأي شعب آخر. فكما نرفض استهداف الكورد بسبب هويتهم، نرفض استهداف العرب أو غيرهم بسبب هويتهم أيضاً. المسؤولية فردية، وتُحدّد وفق الأفعال والأدلة، لا وفق الانتماء القومي.

إن العدالة لا تكون عادلة إذا طبّقناها على خصومنا وتجاهلناها عندما تصدر الإساءة عن المقربين منا. وسيادة القانون لا تُختبر في حماية من نتفق معهم فقط، بل في حماية حقوق الجميع دون استثناء.

خامساً: كرامة الشعب الكوردي ليست موضع مساومة

إن الشعب الكوردي شعب أصيل له هويته القومية ولغته وثقافته وتاريخه، وله الحق في التمتع بالمساواة والكرامة والحقوق التي تكفلها المعايير الدولية والقوانين النافذة.

وليس مطلوباً من الكورد أن يتخلوا عن هويتهم القومية كي يثبتوا انتماءهم إلى سوريا، كما لا يجوز مطالبتهم بالصمت أمام الإهانة أو التمييز باسم الوحدة الوطنية.

فالوحدة الحقيقية لا تقوم على إنكار التنوع، ولا على فرض هوية واحدة على الجميع، وإنما على الاعتراف المتبادل بالحقوق، والشراكة العادلة، واحترام خصوصية كل جماعة، وبناء دولة يشعر فيها كل مواطن بأنه متساوٍ في الكرامة والحقوق والواجبات.

إن سوريا التي نطمح إليها يجب أن تكون دولة مواطنة وقانون، لا دولة امتيازات قومية أو دينية أو طائفية. دولة تحمي الكوردي والعربي والسرياني والآشوري والتركماني، وتحترم المسلمين والإيزيديين والمسيحيين وسائر المعتقدات، وتضمن لكل فرد حقه في التعبير عن هويته وممارسة حقوقه دون خوف أو إقصاء.

إن سقوط النظام البائد ينبغي أن يكون بداية لعهد تُصان فيه كرامة جميع السوريين، لا مناسبة لظهور أشكال جديدة من الكراهية والتمييز.

كرامة الشعب الكوردي ليست منحة من أحد، وحقوقه ليست موضوعاً للمساومة، والتحريض على الكراهية ليس رأياً سياسياً ينبغي التساهل معه عندما تتوافر فيه شروط المسؤولية القانونية.

فالاختلاف لا يبرر الإهانة، وحرية التعبير لا تمنح أحداً حق الانتقاص من كرامة الشعوب، وبناء سوريا الجديدة يبدأ حين يصبح احترام الإنسان قاعدة ثابتة، لا شعاراً يُرفع عند الحاجة ويُنسى عند الاختلاف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى