التاريخ مهم، ولكن المستقبل أهم؛ فالتاريخ عبرة، والحاضر مسؤولية وعمل، والمستقبل أملٌ لا يتحقق بالتمنّي، بل بالوعي والإرادة والتخطيط.
نحن الكورد، الذين حملنا عبر أجيال طويلة ذاكرةً مثقلةً بالمآسي والتضحيات والحرمان من الحقوق، نعرف أن التاريخ ليس مجرد أمجاد نتغنّى بها، ولا جراح نكتفي بالبكاء عليها؛ بل هو تجربة يجب أن نتعلّم منها، كيلا نكرّر أخطاء الماضي، وكيلا نورّث الأجيال القادمة المآسي والانقسامات نفسها.
لسنا مطالبين بنسيان تاريخنا، ولا بالتنازل عن حقوقنا القومية، بل بتحويل ذاكرتنا التاريخية إلى وعيٍ يحمي هويتنا، وإرادةٍ تصون كرامتنا، ورؤيةٍ تصنع مستقبلنا.
سياسيًا، لا تكفي عدالة القضية وحدها، ما لم تسندها حكمةٌ في اتخاذ القرار، ووعيٌ بموازين القوى، وقدرةٌ على قراءة التحولات وصناعة الفرص.
واجتماعيًا، لا يمكن لشعبٍ أن يبني مستقبلًا قويًا فيما تستنزفه الانقسامات والخلافات الضيقة، وتُقدَّم فيه المصالح الحزبية والشخصية على المصلحة القومية العامة. فالاختلاف حق، والتعددية قوة، لكن تحويل الخلاف إلى عداوة يُضعف الجميع.
وإنسانيًا، فإن الوفاء لتضحيات الأجداد لا يكون بتكرار مآسيهم، بل ببناء واقعٍ أكثر حريةً وعدالةً وكرامةً للأجيال القادمة.
أما الجغرافيا، فليست أرضًا وحدودًا فحسب، بل هي أيضًا موقعٌ استراتيجي، وتأثيرٌ سياسي، وقدرةٌ على المشاركة في صناعة القرار. ومن لا يواكب تحولات التاريخ، ولا يستعد لمتطلبات المستقبل، قد يجد نفسه خارج المعادلات التي تحدّد مصيره، مهما كان تاريخه عظيمًا وتضحياته جسيمة.
إن الوفاء الحقيقي لتاريخنا ليس أن نبقى أسرى الماضي، بل أن نبني مستقبلًا يليق بتضحيات شعبنا.
فلنحفظ ذاكرتنا، ونصُن هويتنا، ونتعلّم من أخطائنا، ونتجاوز انقساماتنا، ونجعل من حاضرنا جسرًا نحو مستقبلٍ أكثر أمنًا وحريةً وكرامة.
فالتاريخ ذاكرتنا، والهوية جذورنا، والحاضر مسؤوليتنا، والمستقبل قضيتنا الكبرى. ومن لا يشارك في صناعة مستقبله، يترك للآخرين مساحةً أوسع في تقرير مصيره.
✍️ خالد حسو كاتب وحقوقي




