✍️ خالد حسو
هناك وجعٌ حقيقي وعميق، وأسئلةٌ مؤلمة لا يجوز تجاوزها أو الالتفاف حولها، بل تستحق أن نقف عندها بوعيٍ ومسؤولية، وأن نواجهها بعقلٍ قومي كوردي، ووجدانٍ إيزيدي، وفكرٍ ديمقراطي يؤمن بالحرية والعدالة وكرامة الإنسان.
إنّ قضية الكورد الإيزيديين ليست قضيةً دينية فحسب، ولا شأنًا يمكن اختزاله في حسابات السياسة وموازين المصالح؛ إنها قضية كرامة كوردستان، وامتحانٌ حقيقي لضميرها القومي والإنساني والتاريخي. فالإيزيديون جزءٌ أصيل من الشعب الكوردي، وديانتهم الإيزيدية ديانة تاريخية عريقة، ارتبطت بأرض كوردستان وذاكرتها وتراثها الروحي والثقافي عبر قرون طويلة. وما تعرّضوا له من اضطهاد ومآسٍ وإبادات يفرض علينا جميعًا مسؤوليةً أخلاقية ووطنية لا تحتمل الصمت أو التجاهل أو المساومة.
لكنّ الانتماء القومي الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، ولا يُختبر في لحظات الرخاء، بل يظهر حين يتعرّض أحد أبناء الشعب للظلم، وحين يصبح الدفاع عن كرامته وحقوقه واجبًا يحتاج إلى الشجاعة والصدق، لا إلى الحسابات الضيقة والمصالح العابرة.
نحن لا نريد من أحدٍ أن يتاجر بآلام الكورد الإيزيديين، أو أن يوظّف مآسيهم في الصراعات السياسية والحزبية، بل نريد مواقف واضحة وصادقة، تترجم الأقوال إلى أفعال، وتحمي حقوقهم، وتصون خصوصيتهم الدينية والثقافية، وتضمن لهم حقهم في الحياة الآمنة والحرّة والكريمة، بعيدًا عن الوصاية والإقصاء والاستغلال.
ومن المنظور القومي الكوردي، فإنّ الدفاع عن الإيزيديين ليس منّةً من أحد، ولا فضلًا يُمنح لهم، بل هو دفاعٌ عن جزءٍ أصيل من شعبنا، وعن كرامة كوردستان وهويتها التاريخية. ومن المنظور الإيزيدي، فإنّ الاعتزاز بالهوية الدينية لا يتعارض مع الانتماء القومي الكوردي، بل يتكامل معه في إطارٍ يحترم الخصوصية، ويصون التنوّع، ويرفض أن تكون الهوية سببًا للتمييز أو الإقصاء.
أما الديمقراطية الحقيقية، فلا تكتمل بصناديق الاقتراع وحدها، ولا بمجرد الحديث عن التعايش والتسامح، بل تبدأ من الاعتراف المتبادل بالحقوق، واحترام الاختلاف، ورفض فرض الإرادة على الآخرين، وضمان المساواة في المواطنة والكرامة والفرص. فليس من الديمقراطية أن نطالب بحقوقنا ونتجاهل حقوق غيرنا، وليس من العدالة أن نستنكر الظلم حين يقع علينا ثم نصمت حين يقع على أبناء شعبنا.
ومن هنا، تبرز أسئلةٌ تستحق أن نطرحها على أنفسنا قبل أن نوجّهها إلى الآخرين: هل منحنا القضية الإيزيدية ما تستحقه من اهتمامٍ ومسؤولية؟ وهل تحوّلت مواقفنا من التضامن اللفظي إلى خطواتٍ عملية تحفظ الحقوق وتمنع تكرار المآسي؟ وهل نتعامل مع معاناة الإيزيديين باعتبارها مسؤوليةً قومية وإنسانية مشتركة، أم نتركها رهينة التجاذبات السياسية والحسابات الحزبية؟
إنّ طرح هذه الأسئلة ليس استهدافًا لأحد، ولا تشكيكًا في نوايا أحد، بل هو دعوةٌ صادقة إلى مراجعة الذات وتصحيح المسار. فالنقد المسؤول لا يُضعف قضيتنا، بل يحميها من الأخطاء والتناقضات، ويمنحها القدرة على التقدّم بثقةٍ ووعي.
إنّ المسؤولية لا تقف عند حدود التعاطف مع الضحايا أو استذكار المآسي، بل تتطلب العمل من أجل حماية الحقوق، وإنصاف المتضررين، وصون المقدسات والتراث الديني والثقافي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم بأمان وكرامة، وتعزيز مشاركة الكورد الإيزيديين في القرارات التي تمسّ حاضرهم ومستقبلهم. فالعدالة لا تتحقق بالكلمات وحدها، وإنما بإجراءاتٍ واضحة، ومواقف ثابتة، وإرادةٍ سياسية تحترم الإنسان وحقوقه.
إنّ كوردستان التي نطمح إليها ليست كوردستان الشعارات وحدها، بل كوردستان الحقوق والعدالة والشراكة؛ كوردستان التي يشعر فيها الإيزيدي، والكوردي من مختلف المعتقدات، وسائر أبنائها، بأنّ كرامتهم مصونة، وحقوقهم محترمة، وخصوصياتهم الدينية والثقافية محمية، وأنّ مستقبلهم ليس موضع مساومة أو استغلال.
فالإيزيديون ليسوا هامشًا في تاريخ كوردستان، ولا ضيوفًا على أرضها، بل جزءٌ أصيل من الشعب الكوردي وذاكرته ووجدانه. وكرامتهم ليست قضيةً منفصلة عن كرامة الكورد، بل معيارٌ من معايير صدق انتمائنا القومي ونضجنا الديمقراطي.
إنّ الوفاء لكوردستان لا يكون بتمجيد تاريخها فحسب، بل بتحمّل مسؤولية حاضرها وصناعة مستقبلٍ أكثر عدالةً وحريةً لجميع أبنائها. فالشعوب التي تحترم تنوّعها تزداد قوةً، والتي تنصف المظلومين تزداد كرامةً، والتي تمتلك شجاعة النقد والمراجعة تكون أقدر على حماية حقوقها وصون مستقبلها.
إنّ الصمت أمام الظلم لا يصنع عدالة، والتعاطف من دون فعل لا يحمي حقًا، والانتماء من دون مسؤولية يفقد معناه. كما أنّ الاختلاف في الرأي أو التباين في المواقف السياسية لا ينبغي أن يمنعنا من الاتفاق على المبادئ الأساسية التي لا يجوز التنازل عنها: كرامة الإنسان، وحرية الاعتقاد، واحترام الخصوصية، ورفض التمييز، وحماية حقوق جميع أبناء شعبنا.
أخيرًا، لا بد أن نؤكد أنّ الدفاع عن الكورد الإيزيديين واجبٌ قومي وأخلاقي وإنساني، لا تحكمه المساومات ولا تحدّه المصالح المؤقتة؛ لأنّ كرامة الإيزيديين من كرامة كوردستان، واحترام خصوصيتهم جزءٌ من احترام هويتها، وإنصافهم خطوةٌ أساسية نحو مجتمعٍ أكثر عدالةً وحريةً وديمقراطية.
فالقضية الكوردية لا تكتمل بإعلاء صوت القومية وحده، بل حين تتحوّل القومية إلى قوةٍ تحمي الإنسان، وتصون التنوّع، وتنصف المظلوم، وتحترم حرية الاعتقاد والرأي، وتضمن لجميع أبناء الشعب الكوردي حقوقهم وكرامتهم، ليكونوا شركاء حقيقيين في الأرض والحقوق والمستقبل.
هذه هي كوردستان التي نؤمن بها: كوردستان التي لا تتخلّى عن أيٍّ من أبنائها، ولا تسمح بأن تتحوّل معاناة شعبها إلى ورقةٍ في سوق المصالح السياسية، بل تجعل من العدالة أساسًا لوحدتها، ومن احترام التنوّع مصدرًا لقوتها، ومن كرامة الإنسان معيارًا لصدق مواقفها.




