خالد حسو كاتب وحقوقي
في مسيرة النضال القومي والسياسي والثقافي الكوردي، تراكمت على مدى عقود طويلة تجارب كثيرة، فيها محطات مشرقة وإنجازات مهمة، كما فيها إخفاقات وانقسامات وأخطاء وقرارات لم تحقق النتائج التي كان شعبنا يتطلع إليها.
لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه بصراحة وهدوء هو: هل امتلكت قياداتنا السياسية، في مختلف المراحل، الشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء وتحمل مسؤولية القرارات التي لم تكن في مكانها؟
فالاعتراف بالخطأ ليس انتقاصًا من تاريخ أي قائد أو حزب، ولا يعني إلغاء التضحيات التي قدمها المناضلون. على العكس، فإن القيادة التي تستطيع أن تقول لشعبها: أخطأنا هنا، وأخطأنا في هذا القرار، ولم نوفق في هذه المرحلة، هي قيادة تمتلك قدرًا من الشجاعة والمسؤولية أكبر من قيادة تحاول دائمًا البحث عن مبررات أو تحميل الآخرين مسؤولية النتائج.
ومن حقنا أن نسأل أيضًا: إذا كانت كل القيادات قد أصابت في خياراتها، وإذا كانت كل المراحل السابقة قد أُديرت بالشكل الصحيح، فلماذا ما زالت قضيتنا تواجه كل هذه التعقيدات، ولماذا ما زالت الانقسامات والخلافات الداخلية تستنزف جزءًا كبيرًا من طاقتنا السياسية والاجتماعية؟
وفي المقابل، إذا كنا نعترف بوجود أخطاء وإخفاقات، فمن الطبيعي أن نسأل: من يتحمل مسؤوليتها؟ ومن يملك شجاعة مراجعتها؟ ومن يعتذر للشعب عندما يكون الاعتذار مستحقًا؟
لا ينبغي أن تتحول المحاسبة إلى انتقام، ولا أن يتحول النقد إلى تشهير، كما لا ينبغي أن يتحول احترام تاريخ المناضلين إلى حصانة دائمة من النقد.
فالمناضل الذي ناضل من أجل شعبه يستحق الاحترام، لكن القرارات السياسية ليست مقدسة، والتاريخ ليس ملكًا للأشخاص، والقضية ليست ملكًا لحزب أو قيادة.
المشكلة لا تكمن في أن نخطئ؛ فالخطأ جزء من العمل السياسي والإنساني. المشكلة الحقيقية هي أن نكرر الخطأ، ثم نرفض الاعتراف به، ونبحث في كل مرة عن مسؤول آخر نحمله النتائج.
كما أن مسؤولية ما جرى لا تقع على القيادات وحدها. هناك مسؤولية على أعضاء الأحزاب، والكوادر، والمثقفين، والإعلاميين، والمستقلين، وعلى كل من يملك القدرة على النقد ولا يستخدمها خوفًا من هذا الحزب أو ذاك، أو حفاظًا على موقع أو علاقة أو مصلحة.
إن الشعب الذي يريد قيادة مسؤولة يجب أن يمتلك هو أيضًا ثقافة المساءلة. فلا يكفي أن نطالب الآخرين بالديمقراطية، بينما نقبل داخل مؤسساتنا الحزبية بالقرارات المغلقة، أو نقدّس الأشخاص، أو نعتبر كل نقد للقيادة طعنًا في القضية.
القضية الكوردية ليست حزبًا، والحزب ليس قيادة، والقيادة ليست شخصًا.
القضية أكبر من الجميع، ولذلك فإن حماية القضية تتطلب حماية حق الأجيال في معرفة الحقيقة، وقراءة التجربة بكل ما فيها من نجاح وإخفاق، بعيدًا عن التقديس والتشويه معًا.
نحن بحاجة إلى ثقافة سياسية تقول بوضوح:
من ينجح يُقدَّر، ومن يخطئ يعترف، ومن يفشل يتحمل مسؤوليته، ومن يملك القدرة على التصحيح يصحح.
فالاعتذار عند الخطأ ليس ضعفًا، والمراجعة ليست هزيمة، والمحاسبة ليست عداءً، والنقد ليس خيانة.
وإذا أردنا فعلًا أن نترك للأجيال القادمة حركة سياسية كوردية أكثر قوة ونضجًا، فعلينا أن نترك لها شيئًا أهم من أسماء القادة وتاريخ الأحزاب؛ علينا أن نترك لها تجربة صادقة لا تخاف من الحقيقة.
لأن الأمم لا تتقدم عندما تخفي أخطاءها، وإنما عندما تمتلك الشجاعة للنظر إليها، وفهم أسبابها، واستخلاص الدروس منها، ثم بناء مستقبل أفضل على أساسها.

