مجموع

دلشير هركول.. بطل معاصر وأسطورة عظيمة في ذاكرة الشعب الإيزيدي

مشاركة

في صفحات تاريخ البشرية، هناك أزمنة وأماكن تتحول إلى اختبار كبير لضمير العالم وحقيقة الصراع ضد الوحشية. وقد أصبحت شنكال، ولا سيما في صيف عام 2014، مركزاً لهذا الاختبار التاريخيّ. وفي تلك المرحلة التي كانت الظلمات تسعى فيها إلى ابتلاع كل شيء، برز اسم الشهيد دلشير هركول كضوء وسط فوضى الحرب و المقاومة.

كان دلشير هركول قد أمضى سنوات طويلة في جبال كردستان، ولا سيما في جبال أمانوس، حيث نشأ بروح الكريلايتية وفلسفة حماية الشعب. وعندما سمع بتشكل الغيوم السَوداء فوق سماء شنكال، لم يستطع أن يقف صامتاً.

فبالنسبة له، لم تكن حماية المجتمع الإيزيدي مجرد مهمَة عسكريّة، بل كانت واجباً أخلاقياً وتاريخياً ينبغي الوفاء به مهما كان الثمن.

وفي حزيران 2014، وصل إلى أرض شنكال بعزم راسخ؛ تلك الأرض الّتي شهدت عبر آلاف السنين المآسي والمجازر، لكنها هذه المرة، بقيادة دلشير هركول، كانت تسعى إلى كتابة قصة مقاومتها.

عندما وصل دلشير إلى شنكال، كان الوضع بالغ الخطورة. فقد كان داعش يضيّق الحصار على المنطقة تدريجياً، بينما كان الخوف ينتشر بين السكان كالنار في الهشيم. بدأ دلشير، بلغته الهادئة وموقفه الحازم والمنضبط، عملاً متواصلاً دون انقطاع.

ولم يقتصر اهتمامه على الاستعدادات العسكريَّة، بل ركَّز قبل كلِّ شيء على رفع معنويات الناس وتعزيز إرادتهم.

كان يدرك أن المجتمع إذا فقد ثقته بنفسه، فلن تستطيع الأسلحة وحدها حمايته.

لذلك كان يجلس ليلاً مع شيوخ العشائر، ومع الشباب الراغبين في حمل السلاح دفاعاً عن أرضهم، ومع الأمهات القلقات على مصير أطفالهن، ويتحدث إليهم عن أهمية “الحماية الجوهرية”.

وكان يؤكد لهم أن شنكال ليست مجرد أرض، بل هي ذاكرة وعقيدة تستحقان الحماية.وقد شكل هذا النهج الأساس لتأسيس وحدات مقاومة شنكال (YBŞ)، التي أصبحت لاحقاً الركيزة الأساسية للدفاع عن شنكال.

ورغم محدودية الإمكانيات، فإن الإرادة التي بثها بين الناس كانت أقوى من أي سلاح ثقيل، وأسهمت في خلق شعور جديد بالأمان والثقة.

وفي الأيام الأكثر حرجاً من شهر آب، عندما شن داعش هجماته العنيفة بكل قوته، كان دلشير هركول في الصّفوف الأمامية.

كان يقاتل إلى جانب رفاقه داخل الخنادق. وفي الساعات الأولى من فجر الثالث من آب، حين نفذ داعش هجومه الهادف إلى تطويق المنطقة بالكامل، واصل دلشير اتصالاته مع مركز القيادة رغم حساسية الموقف.

وقد شكل هذا الاتصال في تلك اللحظة شريان الحياة لآلاف الأشخاص.

فقد نقل دلشير صورة دقيقة ومفصلة عن أوضاع الميدان إلى القيادة، وكانت هذه المعلومات سبباً في اتّخاذ قرار تاريخي بالتدخل، ممَّا حال دون وقوع مجزرة أكبر. ولولا موقفه الشجاع وحسن تقديره للموقف، لربما ضاعت فرص كثيرة للتدخل، ولكانت النتائج أكثر مأساوية.

وبهذا، لم يكن يخوض المعركة فحسب، بل كان أيضاً يسهم في منع وقوع الإبادة الرابعة والسبعين.وفي خضم تلك الفوضى، كان دلشير هركول أيضاً أحد أبرز مهندسي إنقاذ عشرات الآلاف من الإيزيديّين.

فقد نظم ممرات آمنة مكنت المدنيين من التوجه نحو قمم جبل شنكال. وكانت هذه الممرات بمثابة طرق للحياة، جرى تأمينها بفضل استراتيجيّته العسكرية والإنسانية.

وكان يتنقل مع رفاقه ليلاً ونهاراً بين القرى، ينظم السكان ويوجههم، وتمكَّنوا بهذه الطَّريقة من إنقاذ أعداد كبيرة من قبضة تنظيم داعش.

وقد أصبحت هذه الفلسفة مصدراً قويَّاً للشّعور بالتَّرابط بين أبناء شنكال. ولم يكن دلشير هركول يقاتل داعش وحده، بل كان أيضاً يقاوم كل محاولة للقضاء على هذا المعتقد.

وكان يؤكِّد باستمرار أنَّ العقيدة الّتي تعرَّضت لأربع وسبعين حملة إبادة، وما زالت باقية، وستبقى أيضاً في المستقبل، وأنَّ حمايتها واجب مقدَّس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى