مجموع

حلب تحت مقصلة الضرائب: السياسات المالية تدفع العاصمة الاقتصادية نحو الانكماش

مشاركة

آفرين علو ـ xeber24.net

تعيش حلب اليوم واحدة من أكثر مراحلها الاقتصادية هشاشة منذ انتهاء الحرب، حيث تحولت الضرائب والرسوم الجديدة إلى عبء ثقيل يهدد ما تبقى من هويتها الصناعية، في وقت لا تزال فيه المدينة تحاول التعافي من دمار البنية التحتية وانهيار القدرة الشرائية.

فقد دفعت السياسات المالية المعتمدة خلال عام 2026 آلاف الصناعيين والحرفيين إلى مواجهة معقدة مع تكاليف التشغيل والضرائب المتصاعدة، ما جعل الاستمرار في الإنتاج أقرب إلى مغامرة مفتوحة الخسائر، وفق ما يؤكد صناعيون ومختصون.في المدينة الصناعية بالشيخ نجار، كما في الورش الحرفية المنتشرة داخل الأحياء الصناعية القديمة، تتزايد المخاوف من موجة إغلاقات جديدة، خصوصاً بعد اعتماد الضريبة الموحدة التي فرضتها وزارة المالية في السلطة السورية.

ورغم تخفيض النسبة المفروضة على القطاع الصناعي إلى 10%، إلا أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في النسبة نفسها، بل في آلية احتسابها، إذ تُفرض على “الأرباح المقدّرة” لا الأرباح الحقيقية.

ويؤكد صناعيون أن هذه الآلية تتجاهل حالة الركود وضعف الإنتاج وتراجع الطلب المحلي، كما أنها لا تراعي الخسائر الناتجة عن تقلبات السوق وارتفاع تكاليف التشغيل.يواجه قطاع النسيج، الذي يمثل نحو 60% من صادرات حلب، واحدة من أعنف أزماته منذ سنوات.

فمعظم المواد الأولية الداخلة في الصناعة أصبحت تخضع لضريبة المبيعات والرسوم الجمركية المسبقة، ما أدى إلى تضخم كلفة الإنتاج بشكل غير مسبوق.ويحذر مختصون من أن استمرار الضغط على القطاع قد يؤدي إلى خسارة أحد أهم مصادر القطع الأجنبي وفرص العمل في سوريا، خاصة مع انتقال بعض الورش والمعامل تدريجياً إلى دول مجاورة.

بات الصناعيون في حلب يعتمدون بشكل شبه كامل على المحروقات المشتراة من السوق السوداء بسبب ضعف التوريد الرسمي، حيث تصل الأسعار إلى مستويات تزيد بأكثر من 300% مقارنة بالسعر المدعوم.

ومع إضافة ضريبة 5% على قيمة هذه المحروقات “دفترياً”، ترتفع الكلفة النهائية للمنتج بصورة تجعل المنافسة شبه مستحيلة.يواجه التجار في الأسواق التاريخية نقصاً حاداً في السيولة نتيجة القرارات الضريبية الجديدة، وعلى رأسها فرض ضريبة مسبقة بنسبة 3% تُدفع عند الاستيراد أو أثناء تخليص البيانات الجمركية.

ووفق تقديرات غرفة تجارة حلب، انخفضت حركة التبادل التجاري في “سوق المدينة” بنحو 25% منذ بدء تطبيق نظام الربط الضريبي الشامل.

تشير مصادر اقتصادية إلى أن أكثر من 150 منشأة صناعية صغيرة ومتوسطة أغلقت أبوابها خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، ليس بسبب العمليات العسكرية، بل نتيجة ما يصفه أصحابها بـ”التنمر الضريبي”.

وتتجه رؤوس الأموال نحو مصر وتركيا والإمارات، مما يعني خسارة الخبرات وفرص العمل وتراجع الدور الاقتصادي التاريخي لحلب.

يسود حالة من “الغضب الصامت” بين السكان، حيث اتجهت العائلات إلى تقليص مشترياتها إلى الحدود الدنيا، وأصبح شراء أنصاف الكيلوغرامات أو الحبات المفردة مشهداً يومياً يلخص حجم الأزمة المعيشية.

وفي ظل غياب رؤية اقتصادية شاملة، تبدو حلب اليوم أمام اختبار مصيري: إما استعادة دورها الاقتصادي عبر بيئة إنتاج حقيقية، أو الانزلاق تدريجياً نحو اقتصاد منهك يفقد قدرته على البقاء والمنافسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى