في زمنٍ تختلط فيه الأصوات، وتضيع فيه الحقيقة بين ضجيج المنابر وهدير البنادق، يخرج علينا من يظن أن السياسة سلّمٌ يُرتقى عليه، لا مسؤولية تُحمل، ولا عهد يُصان.
يتحدثون باسم الكورد في سوريا، كأن التمثيل صكّ يُمنح في قاعات الانتظار، لا شرعية تُنتزع من ميادين التضحية.
هؤلاء الذين يتنقّلون بين العواصم، ويطرقون أبواب الحكومات المؤقتة، يعتقدون أو يتوهمون أن الاستقبال اعتراف، وأن الابتسامة تفويض، وأن الصورة مع مسؤولٍ ما تعني أنهم صاروا صوت شعبٍ بأكمله.
لكن الحقيقة أكثر قسوةً ووضوحًا: لا أحد يُستقبل لذاته، بل لما يقف خلفه من قوة، وما يمثله من وزنٍ على الأرض.القوة التي فتحت الأبواب لم تكن كلماتهم، بل دماء آلاف الشهداء.
لم تكن خطاباتهم، بل صمود شبابٍ وشاباتٍ حملوا أرواحهم على أكفهم دفاعًا عن كرامة شعبهم في روجافا. هناك، في الخنادق، كُتبت شرعية التمثيل. هناك، حيث لم تكن السياسة ترفًا، بل بقاء، ولم يكن التفاوض خيارًا، بل قدرًا يُصاغ تحت النار.
من يتحدث باسم الكورد حقًا، ليس من يرفع صوته في المؤتمرات، بل من ثبت حين انهارت الجبهات، ومن بقي حين غادر الآخرون، ومن دفع من جسده ثمنًا ليبقى هذا الشعب واقفًا.
هؤلاء لا يحتاجون إلى تعريف، لأن الأرض تعرفهم، والقبور تشهد لهم، والتاريخ يسجل أسماءهم بمدادٍ من تضحية.أما المتسلقون، فهم ظاهرة قديمة تتجدد مع كل مرحلة.
يتقنون لغة المصالح، ويتبدلون مع تبدل الرياح، يخاصمون الشرفاء إذا تعارضوا مع طموحاتهم، ويتقربون من أي سلطة تمنحهم ظلًا أو منصبًا. لم يكونوا يومًا في مقدمة الصفوف حين كان الثمن دمًا، لكنهم يتصدرون المشهد حين يصبح الحديث عن المكاسب.
إن أخطر ما في هذا النمط من السياسة، أنه لا يكتفي بإضعاف الصف الكوردي، بل يزرع الشك في نفوس الناس، ويشوه معنى النضال، ويختزل قضية شعبٍ كامل في طموحات أفراد.
فالقضية التي انتظرها الكورد طويلًا، والتي دُفعت لأجلها أثمانٌ باهظة، لا يمكن أن تُختصر في مقعدٍ هنا أو مكسبٍ هناك.
ومع ذلك، يبقى الأمل حيًا. لأن في الميدان رجالًا ونساءً لم يبدلوا، لم يساوموا، ولم يبيعوا.
يعرفون أن السياسة ليست تنازلًا بلا حدود، بل فن الممكن دون التفريط بالثوابت. يعرفون متى يقاتلون، ومتى يفاوضون، وكيف يحافظون على مكتسبات تحققت بدم الشهداء.
هؤلاء هم الذين يمثلون خط الشرف الكوردي، لا لأنهم قالوا ذلك، بل لأنهم أثبتوه.
هم الذين يحملون القضية لا كشعار، بل كمسؤولية تاريخية.
وهم الذين، في أحلك الظروف، يظلون أوفياء لعهدٍ كُتب بالدم، لا بالحبر.في النهاية، قد ترتفع أصوات المتسلقين، وقد تلمع صورهم للحظة، لكن الزمن كفيل بفرز الحقيقة. فالشعوب لا تُخدع إلى الأبد، والتاريخ لا يرحم من باع قضيته.
سيبقى من بقي في الخنادق، وسيُنسى من مرّ على المنابر مرور العابرين.
وسينتصر هذا الشعب… ليس بوعود الساسة، بل بثبات من آمنوا أن الكرامة لا تُشترى، وأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع.



