مجموعمقالات

القضية الكوردية بين إنكار الحقوق وضرورات الاعتراف الدستوري

مشاركة

خالد حسو

لم تعد القضية الكوردية مسألة قابلة للتأجيل أو الاختزال ضمن مقارباتٍ أمنية ضيقة، بل هي قضية سياسية-حقوقية بامتياز، تتعلق بشعبٍ يمتلك مقومات الوجود التاريخي والقانوني، ويسعى إلى تثبيت حقوقه المشروعة ضمن إطارٍ معترف به.

إن الاستمرار في التعامل مع هذه القضية عبر أدوات عسكرية أو ترتيبات ميدانية، بما في ذلك تشكيل قوى أو ألوية محلية، لا يُمثّل حلًا، بل يعكس إدارةً للأزمة بدل معالجتها، ويُبقيها ضمن دائرة التوظيف السياسي دون الوصول إلى تسوية عادلة.

فالقضية الكوردية ليست ملفًا أمنيًا ولا شأنًا إداريًا عابرًا،بل هي قضية شعبٍ يطالب بالاعتراف الدستوري الصريح بهويته،وبضمان حقوقه الثقافية والسياسية،وبإرساء آليات تمثيل حقيقية تعكس إرادته.

وإن القضية الكوردية هي قضية قومية عادلة لشعبٍ تعرّض عبر تاريخه الطويل لشتى أشكال الاضطهاد والتهميش والإقصاء، وواجه ويلاتٍ وكوارث ومجازر متعاقبة، وهو اليوم يمتلك الحق الكامل في العيش بسلامٍ ووئامٍ أسوةً بباقي الشعوب والأمم، باعتبارها قضيةً سياسية وإنسانية مصيرية، يترتب عليها حقه الثابت في تقرير مصيره وفقًا لمبادئ العدالة والشرعية الدولية.

إن أي مقاربة تتجاهل هذه الأسس أو تحاول الالتفاف عليها، تفتقر إلى المشروعية السياسية والقانونية، وتظل عاجزة عن إنتاج استقرارٍ حقيقي أو سلامٍ مستدام.

وفي هذا الإطار، يبرز حق تقرير المصير كأحد المبادئ الراسخة في القانون الدولي، ليس بوصفه شعارًا سياسيًا، بل كحقٍ قانوني يستند إلى إرادة الشعوب وحقها في تقرير مستقبلها ضمن معايير الشرعية الدولية.

وعليه، فإن معالجة القضية الكوردية تتطلب إرادة سياسية جادة تنتقل من منطق الإنكار والتجزئة إلى منطق الاعتراف والعدالة، وإلا فإن أي حلولٍ جزئية ستبقى إجراءات مؤقتة لا تمسّ جوهر القضية ولا تُنهي أسبابها.

لقد أثبتت التجارب أن مقاربات الإنكار لم تُنتج استقرارًا، وأن الحلول الأمنية لم تُنهِ النزاع، بل ساهمت في إدامته بأشكالٍ مختلفة.

وعليه، فإن أي تسوية لا تنطلق من الاعتراف الدستوري الصريح بالحقوق الكوردية، ولا تستند إلى ضمانات قانونية فعلية، ستبقى تسويةً هشةً وقابلة للانهيار.

إن الإصرار على تجاهل جوهر القضية أو الالتفاف عليها بحلولٍ جزئية، ليس سوى تأجيلٍ للصراع لا أكثر، لأن الحقوق لا تُؤجَّل ولا تُجزَّأ.

ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراف بالحقوق الكوردية لم يعد خيارًا سياسيًا قابلًا للأخذ والرد، بل أصبح ضرورة قانونية وتاريخية ملحّة.

وبغير ذلك، ستبقى كل المقاربات المطروحة عاجزة عن تحقيق الاستقرار، ومفتقرةً إلى الشرعية، ومحكومةً بالفشل أمام استحقاقات الواقع وإرادة الشعوب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى