مجموع

كوباني بين اتفاق على الورق وتعيينات من الخارج: إدارة الهوية بالأمر الواقع

مشاركة

آفرين علو ـ xeber24.net

تعيش مدينة كوباني ومعها سائر المناطق الكردية في سوريا واقعاً سياسياً وإدارياً معلقاً، حيث تُنتهك الاتفاقيات الموقعة مع الإدارة الذاتية بهدوء، في وقت تمارس فيه السلطة الانتقالية بدمشق سياسة التعيين الأحادي والإقصاء المبطَّن، وفق ما يراه مراقبون ومحللون سياسيون.

فالاتفاق الذي تم التوصّل إليه بين الإدارة الجديدة في دمشق وممثلي قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، والذي حمل إقراراً بأن شمال شرق سوريا يمتلك خصوصية إدارية وتعددية مكوناتية، يُفسَّر في دمشق بمنطق مغاير تماماً، باعتباره “مكسباً لمرحلة انتقالية” يُراد من خلاله احتواء المكونات دون الاعتراف بها شريكاً في تأسيس الدولة الجديدة.

في أحدث تجليات هذا النهج، تم تعيين رئيس بلدية كوباني من خارج المدينة، دون انتخاب ولا استشارة مجتمعية ولا تنسيق مع الهياكل الإدارية القائمة.

المحللون يرون أن هذا الإجراء ليس مجرد استثناء ظرفي، بل نمط خطير تكرّر في أكثر من منطقة، يُنتج بمرور الوقت منطق إدارة لا يختلف في جوهره عما مارسه نظام البعث لعقود طويلة، حيث توجّه الإدارة المركزية وتتلقّى الأطراف التوجيهات لتنفيذها.

والفارق الوحيد، كما يشير مراقبون، هو أن الخطاب تبدّل من بعثي قومي إلى إسلامي بلون ثوري، فيما المنطق الاستيعابي ظلَّ كما هو.

ما يجعل هذا النمط أكثر خطورة على المدى البعيد، بحسب المحللين، هو أنه يستهدف الهوية من بابها الإداري.

فكوباني ليست مجرد مدينة جغرافية، بل هي رمز مشحون بدلالات سياسية وكردية عابرة للحدود، إذ ارتبط اسمها في الوجدان الجمعي بصمود استثنائي في مواجهة تنظيم داعش بين عامي 2014 و2015.

وفرض رئيس بلدية من خارج المدينة لا يعني فقط تجاوز الكفاءة الإدارية، بل يعكس رسالة سياسية مفادها أن الشرعية المحلية المنتَجة من الأسفل لا قيمة لها أمام التفويض الهابط من أعلى، وهذه الرسالة لا تُوجَّه إلى كوباني وحدها، بل إلى كل مكون يتساءل عن موقعه في سوريا الجديدة.

وتعكس هذه القرارات تناقضاً حاداً في إدارة دمشق الجديدة، التي تتحدث بلغة التعددية والشراكة الوطنية في المحافل الدولية، فيما تمارس على الأرض لغة الأمر الواقع التي تختصر التعددية في الإدراج الشكلي لأسماء من مكونات مختلفة داخل هياكل تظل في حقيقتها موجَّهة مركزياً.

في هذا السياق، قال فراس عيد، الكاتب الصحفي والمحلل السياسي، في تصريح، إن “الإدارة الذاتية أمام خيارات صعبة تتراوح بين المواجهة المفتوحة التي تمنح دمشق ذريعة لتصوير الأكراد على أنهم رافضون للاندماج الوطني، والقبول الصامت الذي يكرّس سابقة تُفرغ الاتفاقيات من مضمونها”.

وأضاف: “أما خيار التفاوض المتواصل دون آليات إلزام فعلية فيبدو وكأنه استنزاف مقصود لرصيد سياسي يتآكل بكل جلسة لا تُنتج التزاماً منفذاً”، مشيراً إلى أن غياب ضامن دولي جاد يبقي ميزان القوى الميداني هو الفيصل الحقيقي.

من جانبه، أكد عمرو فاروق، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، في تصريح، أن “المعطيات التي يشهدها الواقع السوري تؤكد أن دمشق الجديدة لا تبني دولة مواطنة فعلية، وإنما تعيد إنتاج دولة مركزية بقشرة خطابية مختلفة”.

وقال فاروق: “هذا المنهج لا يظهر في الوثائق الموقعة وتصريحات المسؤولين، بل في تفاصيل من يُعيَّن رئيساً لبلدية كوباني ومن يُقرّر ذلك ومتى وبأي مسوّغ. وحين تصمت هذه التفاصيل عن إجابة السؤال الصعب، فإن الصمت نفسه يكون هو الإجابة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى