آفرين علو ـ xeber24.net
أثار تزامن توقيع السلطة الانتقالية في سوريا مذكرات تفاهم مع شركات أجنبية، أبرزها شركة “أكوا باور” السعودية لتحلية مياه البحر، مع إصدار مراسيم لإعادة هيكلة قطاعات المياه والكهرباء والتعدين، مخاوف واسعة في الشارع السوري من توجه تدريجي نحو خصخصة الخدمات الأساسية ورفع تكلفتها.
وبحسب ما نشرته وكالة “سانا”، وقّعت السلطة مذكرة تفاهم مع شركات سعودية تتضمن مشروعاً لإنشاء محطة ضخمة لتحلية مياه البحر على الساحل السوري، ونقل المياه المنتجة باتجاه دمشق والمناطق الجنوبية، في إطار ما وصفتها السلطات بـ”خطة لتحسين الأمن المائي وتطوير البنية التحتية”.وفي الوقت نفسه، أصدر رئيس السلطة الانتقالية أحمد الشرع مراسيم تشريعية جديدة، تضمنت إحداث المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي، إلى جانب شركات عامة في قطاعي الكهرباء والتعدين، وهو ما قالت السلطة إنه يهدف إلى “إعادة تنظيم المؤسسات الخدمية ورفع كفاءتها”.
غير أن هذه الإجراءات أثارت ردود فعل متصاعدة على منصات التواصل، حيث حذّر خبراء اقتصاديون وناشطون من أن إعادة الهيكلة قد تمهد لتسليم موارد استراتيجية لشركات استثمارية محلية وأجنبية، ما يهدد بتحويل الخدمات الأساسية إلى سلعة خاضعة لمنطق الربح.في هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي السوري حيدر حسن، في تصريح، إن “الجمع بين التعاقدات الخارجية وإعادة تشكيل المؤسسات العامة يحمل دلالات تتجاوز الإصلاح الإداري، ويشير إلى توجه لإعادة صياغة دور الدولة من مزود للخدمات إلى جهة تنظيمية تفتح الباب أمام الشركات الخاصة”.
وأضاف أن ما يثير القلق هو “التجربة الأخيرة المتعلقة بفواتير الكهرباء في مناطق شمال سوريا، حيث جرى فرض رسوم مرتفعة وفوائد على المتأخرات رغم الاعتراضات الشعبية الواسعة”، مشيراً إلى أن “أقل فاتورة كهرباء باتت تبدأ من نصف مليون ليرة سورية وما فوق”، في وقت لا يزال التقنين بحسب إفادات الأهالي يدور حول أربع ساعات قطع مقابل ساعتين وصل.
من جهته، حذّر مدير موارد بشرية يعمل في إحدى مؤسسات المياه بدمشق (فضل عدم كشف هويته) من أن المخاوف داخل المؤسسات تتزايد مع بدء تطبيق الهيكل الإداري الجديد، مشيراً إلى أن العاملين يخشون من أن تؤدي التغييرات إلى إدخال نمط تشغيل مشابه لقطاع الكهرباء، عبر فرض رسوم ثابتة ورفع التعرفة تدريجياً وربط الخدمة بالدفع.وشدد على أن ذلك “سيؤدي إلى حرمان شريحة واسعة من السوريين من حقها في الحصول على مياه الشرب بشكل منتظم”.
ويرى منتقدون أن توجيه المياه من الساحل إلى دمشق والجنوب، قبل معالجة أزمة العطش المحلية في المناطق الساحلية نفسها، قد يفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً إذا تم تشغيل المشروع لاحقاً عبر شركات استثمارية خاصة تعمل وفق منطق الربح والخسارة.
وقال الخبير حيدر حسن إن اعتماد خيار “تحلية مياه البحر” بالشراكة مع شركات أجنبية قد يُستخدم غطاءً لمنح امتيازات واسعة على حساب الموارد الطبيعية، داعياً إلى نشر أي دراسات رسمية للرأي العام وتوضيح آلية الاستثمار وضمان ملكية الدولة لهذه الموارد.
في المقابل، تؤكد السلطة الانتقالية وفق تصريحاتها الرسمية، أن المراسيم الجديدة تهدف إلى “تحديث الإدارة الخدمية وإصلاح المؤسسات ورفع كفاءة الإنتاج والتوزيع، إضافة إلى جذب استثمارات خارجية تساعد في إعادة الإعمار وتحسين الخدمات الأساسية”.
لكن خبراء ومختصين يرون أن الإعلان عن المشاريع والتعاقدات الخارجية دون نشر تفاصيل واضحة عن طبيعة العقود ومدتها وآليات التسعير والرقابة، يزيد من الشكوك حول اتجاه البلاد نحو خصخصة تدريجية للقطاعات الخدمية، في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة يعيشها ملايين السوريين.
وطالبت جهات اقتصادية ومهنية بضرورة نشر تفاصيل الاتفاقيات بشكل رسمي، وتوضيح آليات التسعير المستقبلية، وضمان بقاء مياه الشرب والكهرباء ضمن مفهوم الخدمة العامة، وليس ضمن نموذج تجاري قد يضع هذه الموارد الأساسية خارج متناول الشرائح الأكثر فقراً.




