جاءت زيارة أحمد الشرع محمّلةً بأكثر من مجرد بروتوكول دبلوماسي. لم تكن زيارة عابرة، بل بدت كأنها فصل جديد يُكتب في كتاب سوريا المعاصر، كتابٍ لم تُطوَ صفحاته بعد، ولم تستقر حروفه على معنى واحد.
في المؤتمر الصحفي المشترك مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ارتسمت ملامح خطابٍ مزدوج: لغة الدولة الصارمة في الداخل، ولغة الشراكة والانفتاح في الخارج. حين قال الشرع: “لن نقبل بدويلات داخل الدولة ولن نسمح بوجود أي سلاح خارج المؤسسات”، بدا كمن يعلن نهاية زمن الفوضى، لكنه في الوقت ذاته يفتح باب الأسئلة: هل تملك الدولة السورية اليوم القدرة الفعلية على احتكار القوة؟ أم أن هذا التصريح هو إعلان نوايا أكثر منه توصيفًا لواقع قائم؟
أما التصريح الألماني حول دمج القوات الكردية في الجيش السوري، فقد حمل في طياته اعترافًا ضمنيًا بتعقيد المشهد السوري. فالقضية ليست عسكرية فحسب، بل سياسية وهووية، تتعلق بمستقبل مكوناتٍ طالما وُضعت على هامش الدولة. هنا، لا يبدو “الدمج” مجرد إجراء تنظيمي، بل اختبار حقيقي لإمكانية بناء دولة متعددة، لا تُقصي أحدًا ولا تبتلع خصوصياته.
لكن المشهد لم يخلُ من تناقضات لافتة. ففي الوقت الذي تحدث فيه الطرفان عن احترام الحقوق والحريات، وردت تقارير عن منع وسائل إعلام ألمانية من تغطية أصوات معارضة خلال الزيارة. هذا التباين بين الخطاب والممارسة يعيد إلى الواجهة سؤال الحريات: هل سوريا الجديدة تُبنى على تعددية حقيقية، أم على إعادة إنتاج السلطة بأدوات مختلفة؟
اقتصاديًا، بدت برلين كأنها تلوّح بسقفٍ عالٍ من التوقعات. الحديث عن إعادة الإعمار، والاستثمار، وإعادة بناء البنية التحتية، يكشف عن رغبة أوروبية في فتح صفحة جديدة مع دمشق. غير أن هذا الانفتاح مشروط، ضمنيًا، بالاستقرار السياسي والأمني، وهو ما لم يتحقق بعد بشكل كامل. فإعادة إعمار الحجر تظل رهينة إعادة بناء الثقة، داخليًا وخارجيًا.
أما ملف اللاجئين، فقد كان الأكثر حساسية. تصريحات ميرتس حول ضرورة عودة نسبة كبيرة من السوريين خلال سنوات قليلة، تعكس ضغطًا داخليًا ألمانيًا بقدر ما تعكس رؤية سياسية لمستقبل سوريا. غير أن العودة، في جوهرها، ليست قرارًا إداريًا، بل شعور بالأمان. والسؤال هنا: هل يشعر السوري اليوم أن وطنه بات مكانًا صالحًا للعودة، أم أن الطريق ما زال طويلاً؟
في خلفية كل ذلك، تقف سوريا على مفترق طرق تاريخي. زيارة الشرع إلى برلين ليست مجرد حدث دبلوماسي، بل مؤشر على محاولة إعادة تموضع في النظام الدولي، ومحاولة لالتقاط لحظة سياسية نادرة وسط صراعات إقليمية متشابكة.
إنها لحظة بين ماضٍ لم ينتهِ بعد، ومستقبل لم يولد كاملًا. لحظة تختبر فيها الدولة السورية قدرتها على التحول من ساحة صراع إلى مشروع وطن. وبين برلين ودمشق، لا تُكتب الاتفاقات فقط، بل تُرسم ملامح مرحلة قد تحدد مصير أجيال قادمة.
بقلم: خبات شاكر




