مجموع

صالح مسلم… مناضلٌ حمل قضية شعبه حتى اللحظة الأخير

مشاركة

رحل صالح مسلم، لكن رحيله لم يكن نهاية قصة. كان واحداً من أبرز وجوه النضال الكردي في سوريا، ومن القامات الوطنية التي لم تعرف التراجع، والتي كرّست حياتها لقضية الحرية والعدالة. سيرة حياةٍ كاملة، من كوباني إلى منفى “قلاع الحرية”، ومن صراع داخلي مع النظام السوري إلى الحراك الدولي للدفاع عن حقوق شعبه، تحمل دروساً لكل من يريد أن يعرف معنى الصمود والإصرار.

وُلد في كوباني، المدينة التي ستصبح رمزاً عالمياً للمقاومة حين صمدت في وجه تنظيم داعش، لتصبح بانتصارها بداية النهاية للإرهاب في المنطقة. من هذه المدينة ترسخت جذور وعيه الوطني، وأدرك منذ صغره أن الحرية لا تُهدى، وأن كرامة الشعب تُحفظ بالنضال.

البداية… دراسة ونضال مبكر

في سبعينيات القرن الماضي، انخرط صالح مسلم في العمل السياسي الكردي، في مرحلة كانت فيها السياسة الكردية محاصرة بالقمع والملاحقة الأمنية. وخلال دراسته في تركيا، تعرّف عن قرب على الحركات التحررية والأفكار السياسية، واكتسب خبرة ووعياً سياسياً لم يتركه طوال حياته.

بعد إنهاء الدراسة، انتقل إلى المملكة العربية السعودية، مرحلة فرضتها الظروف المعيشية، لكنها لم تضعف ارتباطه بقضيته. كانت المحطة الأولى للمنفى، لكنها لم تكن نهاية الطريق.

العودة إلى روجافا والنضال تحت الضغط

لم يلبث صالح مسلم أن عاد إلى روجافا، حيث التحق مجدداً بالحركة السياسية الكردية في مرحلة صعبة، مليئة بالملاحقات الأمنية والاعتقالات المستمرة. كان يقود نشاطه السياسي في ظروف خطيرة، مؤمناً بأن كل خطوة نحو الحرية تحتاج إلى شجاعة، وأن الشعب الكردي يستحق مناضلين لا يهابون المخاطر.

ومع تصاعد التهديدات، اضطر إلى الخروج الثاني إلى الخارج، متجهاً إلى ما كان يسميه “قلاع الحرية” في المنفى، حيث استمر في نشاطه السياسي والدبلوماسي، محافظاً على التواصل مع الحركة الكردية ومع شعبه.

الثورة السورية: العودة والتحدي

مع اندلاع الانتفاضة السورية عام 2011، عاد صالح مسلم إلى الوطن للمرة الأخيرة، مؤمناً بأن التاريخ قد منح شعبه فرصة التغيير. انخرط في الحراك الجماهيري والمظاهرات، وكان من المؤسسين البارزين لحزب الاتحاد الديمقراطي، وتولى رئاسته عدة مرات، قيادة الحزب في أصعب الظروف، وبناء قوته السياسية في شمال وشرق سوريا.

لم يكتفِ بالسياسة الداخلية، بل برز كواجهة دبلوماسية، مؤسساً شبكة علاقات دولية للتعريف بالقضية الكردية، ومدافعاً عن مشروع الإدارة الديمقراطية في سوريا. اسمه أصبح معروفاً في كردستان بأجزائها الأربعة، وفي أوروبا وأمريكا، كرمز للنضال المنهجي والمبادئ الثابتة.

التضحية العائلية

لم يكن نضاله مجرد سياسات وكلمات، بل تضحية حقيقية. ففي معركة كوباني ضد داعش، قدّم ابنه شرفان شهيداً، وهو يدافع عن المدينة والقيم التي آمن بها والده. ورغم الفقد، لم يضعف، بل واصل النضال، محولاً عائلته كلها إلى عائلة مناضلة ملتزمة بالقضية.

الوحدة والعلاقات الوطنية

لم يقتصر دوره على السياسة الحزبية، بل عمل على تعزيز الوحدة الوطنية الكردستانية، ودعم نشاطات المؤتمر الوطني الكردستاني، وساهم في توطيد العلاقات مع القوى الوطنية السورية، مؤمناً بأن مستقبل سوريا لا ينفصل عن قضية الكرد الديمقراطية. كان تواضعه، ووعيه، وجرأته، وحكمته مثالاً حيّاً على قيمة القيادة القائمة على المبادئ.

الرحلة الأخيرة إلى كوباني

في الأشهر الأخيرة من حياته، بدأت الأمراض تثقل جسده، لكنه أصر على العودة إلى كوباني رغم تحذيرات الأطباء. قال:
“يجب أن أكون بين أهلي وناسي في هذه الظروف.”

سافر مع إحدى القوافل إلى المدينة، وهناك بدأ بالتواصل مع الأهالي، لكن المرض كان أسرع. نُقل إلى مشفى الشهيد خبات، ثم إلى إقليم كردستان، حيث فارق الحياة، بعد حياة حافلة بالنضال والتضحيات.

إرث خالد

نعم، رحل صالح مسلم، لكنه ترك إرثاً سياسياً ونضالياً لا يموت. ترك مدرسة في الأخلاق الوطنية، وإيماناً راسخاً بأن الحرية لا تتحقق إلا بالنضال والتضحيات.

لم يكن شهيد الشعب الكردي فقط، بل شهيد سوريا الوطنية أيضاً، في وقت كانت البلاد بأمس الحاجة إلى حكمته وخبرته.

نم قرير العين يا أبا شرفان، أنت الذي قدمت ابناً شهيداً، وربّيت آخر مناضلاً، وجعلت من عائلتك نموذجاً للعائلة الوطنية المناضلة. رحلت سريعاً، ولم يكن موعدنا هكذا… كنا قد اتفقنا أن نلتقي في كوباني مرة أخرى، هناك حيث بدأت الحكاية، وحيث أنبتت تلك الأرض قامتك الوطنية والنضالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى