آفرين علو -xeber24.net
لم تعد أخبار القتل تتصدر الشاشات بسبب المواجهات العسكرية أو القصف، إذ قلبت سوريا هذه الصفحة، بل باتت هناك جبهة أخرى أشد ضراوة وتكتماً تفتك بالنسيج المجتمعي السوري من الداخل، إنها ثقافة الثأر والانتقام الفردي.
وتحوّلت هذه الظاهرة من مجرد ممارسات عرفية محصورة إلى سلوك شبه منظم، تغذيه فوضى السلاح وانعدام المحاسبة، وأصبحت تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، وقنبلة موقوتة تعمّق الشرخ بين أبناء الوطن الواحد.
تاريخياً، لم تكن الأعراف في سوريا تقوم على مبدأ الانتقام العشوائي المنفلت، بل كانت تعتمد على منظومة من القواعد العرفية المشددة المستندة إلى مبدأ “حصر دائرة الدم”، عبر أدوات مثل “العطوة، والجلاء، والدية”، وكان القاضي العرفي أو الفريضة يملك سلطة معنوية تجبر الأطراف على الامتثال لقراراته. لكن ما يجري اليوم يختلف كلياً، فقد تحوّل الثأر من آليات منضبطة لتهدئة الصراع إلى استعراض قوة وانتقام عشوائي، ما أفرغ العرف من مضمونه وحوّله إلى غطاء اجتماعي لجرائم القتل المتبادل.
وتعود جذور الظاهرة إلى عصور ما قبل الإسلام، حيث كان القانون السائد “الدم بالدم”، وارتبط الثأر بمفهوم الهيبة والدفاع عن الكرامة، ولعب الشعر الجاهلي دوراً في ترسيخ هذه الثقافة. ويمكن إجمال أسباب استمرارها اليوم في غياب المؤسسات القضائية، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، وتغذية المفاهيم المغلوطة، والاستقواء بالغطاء العشائري أو الفصائلي.
ويتجلّى خطر هذه الظاهرة بوضوح في خطف واستشهاد المقاتل في لواء الحسكة “سيبان”، وهي الجريمة التي هزّت الرأي العام، إذ سارعت جهات تحريضية إلى إلباسها لبساً قومياً وطائفياً لاستفزاز الشعب الكردي وإذكاء الفتن، ما أدى إلى احتجاجات غاضبة في عموم مناطق روجافا وباكور واوربا طالبت السلطة الانتقالية بفتح تحقيق شفاف ومحاسبة مرتكبي الجريمة.
ويؤكد مراقبون أن مواجهة هذه الآفة تتطلب استراتيجية شاملة تقوم على قضاء حاسم وتشديد العقوبات على حاملي السلاح، وتفكيك المفاهيم المغلوطة التي تشرعن الانتقام، ورفع الغطاء الاجتماعي والعشائري عن المجرمين وتسليمهم للجهات القضائية، محذّرين من أن استمرار سياسة الثأر خارج نطاق القانون يمثّل انحداراً نحو شريعة الغاب لا غالب فيه سوى الفوضى.




